(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) ..
وهذا التقرير لملكية الله ـ وحده ـ لما في السماوات وما في الأرض ، يمنح قضية الآخرة قوة وتأثيرا. فالذي جعل الآخرة وقدرها هو الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض وحده ، فهو القادر على الجزاء ، المختص به ، المالك لأسبابه. ومن شأن هذه الملكية أن تحقق الجزاء الكامل العادل : (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) ..
ثم يحدد الذين أحسنوا هؤلاء ، والذين يجزيهم بالحسنى .. فهم :
(الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ. إِلَّا اللَّمَمَ) ..
وكبائر الإثم هي كبار المعاصي. والفواحش كل ما عظم من الذنب وفحش. واللمم تختلف الأقوال فيه. فابن كثير يقول : وهذا استثناء منقطع لأن اللمم من صغار الذنوب ومحقرات الأعمال. قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة ، عن النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قال : «إن الله تعالى إذا كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة. فزنا العين النظر ، وزنا اللسان النطق ، والنفس تمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» (١).
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن ثور ، حدثنا معمر ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى أن ابن مسعود قال : زنا العين النظر ، وزنا الشفتين التقبيل ، وزنا اليدين البطش ، وزنا الرجلين المشي. ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه. فإن تقدم بفرجه كان زانيا وإلا فهو اللمم. وكذا قال مسروق والشعبي.
وقال عبد الرحمن بن نافع الذي يقال له ابن لبابة الطائفي ، قال : سألت أبا هريرة عن قول الله : (إِلَّا اللَّمَمَ) قال : القبلة والنظرة والغمزة والمباشرة. فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل. وهو الزنا.
فهذه أقوال متقاربة في تعريف اللمم.
وهناك أقوال أخرى :
قال علي بن طلحة عن بن عباس : (إِلَّا اللَّمَمَ) إلا ما سلف. وكذا قال زيد بن أسلم.
وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن منصور ، عن مجاهد ، أنه قال في هذه الآية : (إِلَّا اللَّمَمَ) قال : الذي يلم بالذنب ثم يدعه.
وقال ابن جرير : حدثني سليمان بن عبد الجبار : حدثنا أبو عاصم ، حدثنا زكريا عن ابن إسحاق ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس : (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) .. قال : هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب. وقال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم :
|
إن تغفر اللهم تغفر جما |
|
وأي عبد لك ما ألما؟ |
وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن عثمان البصري عن أبي عاصم النبيل. ثم قال : هذا حديث صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق. وكذا قال البزار لا نعلمه يروى متصلا إلا من هذا الوجه.
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيع. حدثنا يزيد بن زريع. حدثنا يونس ، عن الحسن ،
__________________
(١) أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق.
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
