ومتى انتهى الأمر إلى شهوة النفس وهواها فلن يستقيم أمر ، ولن يجدي هدى ؛ لأن العلة هنا ليست خفاء الحق ، ولا ضعف الدليل. إنما هي الهوى الجامح الذي يريد ، ثم يبحث بعد ذلك عن مبرر لما يريد! وهي شر حالة تصاب بها النفس فلا ينفعها الهدى ، ولا يقنعها الدليل!
ومن ثم يسأل في استنكار :
(أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى؟) ..
فكل ما يتمنى يتحول إلى حقيقة وكل ما يهوى ينقلب إلى واقع! والأمر ليس كذلك. فإن الحق حق والواقع واقع. وهوى النفس ومناها لا يغيران ولا يبدلان في الحقائق. إنما يضل الإنسان بهواه ، ويهلك بمناه. وهو أضعف من أن يغير أو يبدل في طبائع الأشياء. وإنما الأمر كله لله يتصرف فيه كما يشاء في الدنيا وفي الآخرة سواء :
(فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى) ..
ولا ننسى أن نلحظ هنا تقديم الآخرة على الأولى. لمراعاة قافية السورة وإيقاعها. إلى جانب النكتة المعنوية المقصودة بتقديم الآخرة على الأولى. كما هي طبيعة الأسلوب القرآني في الجمع بين أداء المعنى وتنغيم الإيقاع. دون إخلال بهذا على حساب ذاك! شأنه شأن كل ما هو من صنع الله. فالجمال في الكون كله يتناسق مع الوظيفة ويؤاخيها!
وإذا خلص الأمر كله لله في الآخرة والأولى. فإن أوهام المشركين عن شفاعة الآلهة المدعاة ـ من الملائكة ـ لهم عند الله. كما قالوا : (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى) .. إن هذه الأوهام لا أصل لها. فالملائكة الحقة في السماء لا تملك الشفاعة إلا حين يأذن الله في شيء منها :
(وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً. إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى) ..
ومن ثم تسقط دعواهم من أساسها ، فوق ما فيها من بطلان تولى تفنيده في الآيات السابقة. وتتجرد العقيدة من كل غبش أو شبهة. فالأمر لله في الآخرة والأولى. ومنى الإنسان لا تغير من الحق الواقع شيئا. والشفاعة لا تقبل إلا بإذن من الله ورضى. فالأمر إليه في النهاية. والاتجاه إليه وحده في الآخرة والأولى.
وفي نهاية الفقرة يناقش للمرة الأخيرة أوهام المشركين ـ الذين لا يؤمنون بالآخرة ـ عن الملائكة ؛ ويكشف عن أساسها الواهي ، الذي لا ينبغي أن تقوم عليه عقيدة أصلا :
(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى. وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) ..
وهذا التعقيب الأخير يوحي بعلاقة اللات والعزى ومناة بأسطورة أنوثة الملائكة ونسبتهم إلى الله سبحانه! وهي أسطورة واهية ، لا يتبعون فيها إلا الظن. فليس لهم من وسيلة لأن يعلموا شيئا مستيقنا عن طبيعة الملائكة. فأما نسبتهم إلى الله. فهي الباطل الذي لا دليل عليه إلا الوهم الباطل! وكل هذا لا يغني من الحق ، ولا يقوم مقامه في شيء. الحق الذي يتركونه ويستغنون عنه بالأوهام والظنون!
* * *
وحين يبلغ إلى هذا الحد من بيان وهن عقيدة الشرك وتهافتها عند الذين لا يؤمنون بالآخرة ، ويشركون بالله ، وينسبون له البنات ويسمون الملائكة تسمية الأنثى! يتجه بالخطاب إلى الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
