أحد في الخلق والإنشاء ؛ فلا يجوز أن يشاركه أحد في الربوبية والعبادة .. وهو منطق واضح بسيط.
كذلك يواجههم بوجود السماوات والأرض حيالهم. فهل هم خلقوها؟ فإنها لم تخلق نفسها بطبيعة الحال كما أنهم لم يخلقوا أنفسهم :
(أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؟ بَلْ لا يُوقِنُونَ) ..
وهم ـ ولا أي عقل يحتكم إلى منطق الفطرة ـ لا يقولون : إن السماوات والأرض خلقت نفسها ، أو خلقت من غير خالق. وهم كذلك لا يدّعون أنهم خلقوها .. وهي قائمة حيالهم سؤالا حيا يتطلب جوابا على وجوده! وقد كانوا إذا سئلوا عمن خلق السماوات والأرض قالوا الله .. ولكن هذه الحقيقة لم تكن تتضح في إدراكهم إلى درجة اليقين الذي ينشئ آثاره في القلب ، ويحركه إلى اعتقاد واضح دقيق .. (بَلْ لا يُوقِنُونَ) ..
ثم يهبط بهم درجة عن درجة الخلق والإبداع لأنفسهم أو للسماوات والأرض. فيسألهم : هل هم يملكون خزائن الله ، ويسيطرون على القبض والبسط ، والضر والنفع :
(أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ؟ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ؟) ..
وإذا لم يكونوا كذلك ، ولم يدعوا هذه الدعوى. فمن ذا يملك الخزائن ، ومن ذا يسيطر على مقاليد الأمور؟ القرآن يقول : إنه الله القابض الباسط ، المدبر المتصرف. وهذا هو التفسير الوحيد لما يجري في الكون من قبض وبسط وتصريف وتدبير. بعد انتفاء أن يكونوا هم المالكين للخزائن المسيطرين على تصريف الأمور! ثم يهبط بهم درجة أخرى فيسألهم إن كانت لهم وسيلة للاستماع إلى مصدر التنزيل :
(أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ؟ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ).
إن محمدا ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يقول لهم : إنه رسول يوحى إليه ، وإن هذا القرآن يتنزل عليه من الملأ الأعلى. وهم يكذبونه فيما يقول. فهل لهم سلم يستمعون فيه ، فيعلموا أن محمدا لا يوحى إليه ، وأن الحق غير ما يقول؟ : (فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ). أي ببرهان قوي يحمل في ذاته سلطانا على النفوس يلجئها إلى التصديق. وفي هذا تلميح إلى سلطان القرآن الذي يطالعهم في آياته وحججه ، وهم يكابرون فيها ويعاندون! ثم يناقش إحدى مقولاتهم المتهافتة عن الله سبحانه. تلك التي ينسبون إليه فيها بنوة الملائكة ، الذين يتصورونهم إناثا ؛ موجها الخطاب مباشرة إليهم ، زيادة في التخجيل والترذيل :
(أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ؟).
وهم كانوا يعتبرون البنات في درجة أقل من درجة البنين ، إلى حد أن تسود وجوههم من الكمد والكظم حين يبشرون بالأنثى. وكانوا مع هذا لا يستحيون من نسبة البنات إلى الله! فهو هنا يأخذهم بعرفهم وتقاليدهم ، ليخجلهم من هذا الادعاء. وهو في ذاته متهافت لا يستقيم!
وهم كانوا يستثقلون دعوة النبي لهم إلى الهدى ؛ وهو يقدمه لهم خالصا بريئا ، لا يطلب عليه أجرا ، ولا يفرض عليهم إتاوة. وأيسر ما يقتضيه هذا العرض البريء أن يستقبل صاحبه بالحسنى ، وأن يرد بالحسنى إذا لم يقبلوا ما يقدمه لهم ويعرضه عليهم. وهو هنا يستنكر مسلكهم الذي لا داعي له يقول :
(أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ؟) ..
أي مثقلون من الغرم الذي تكلفهم إياه في صورة الأجر على ما تقول! فإذا كان الواقع أن لا أجر ولا غرامة. فكم يبدو عملهم مسترذلا قبيحا ، يخجلون منه حين يواجهون به؟
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
