وتهز النفس هزا ، وترجها رجا ، وتثير فيها رعشة الخوف ، وروعة الإعجاب ، ورجفة الصحو من الغفلة على الأمر المهول الرهيب!
وذلك كله إلى صور الحياة ، وصور الموت ، وصور البلى ، وصور البعث ، وصور الحشر. وإلى إرهاص الساعة في النفس وتوقعها في الحس. وإلى الحقائق الكونية المتجلية في السماء والأرض ، وفي الماء والنبت ، وفي الثمر والطلع .. (تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) ..
وإنه ليصعب في مثل هذه السورة التلخيص والتعريف ، وحكاية الحقائق والمعاني والصور والظلال ، في غير أسلوبها القرآني الذي وردت فيه ؛ وفي غير عبارتها القرآنية التي تشع بذاتها تلك الحقائق والمعاني والصور والظلال ، إشعاعا مباشرا للحس والضمير.
فلنأخذ في استعراض السورة بذاتها .. والله المستعان ..
* * *
(ق. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ.) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ، فقال الكافرون : هذا شيء عجيب. أإذا متنا وكنا ترابا؟ ذلك رجع بعيد. قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ، وعندنا كتاب حفيظ. بل كذبوا بالحق لما جاءهم ، فهم في أمر مريج. أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها؟ ومالها من فروج. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ، وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج. تبصرة وذكرى لكل عبد منيب. ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد. والنخل باسقات لها طلع نضيد. رزقا للعباد ، وأحيينا به بلدة ميتا. كذلك الخروج.
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ، وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ ، وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ. كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ. أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ؛ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) ..
* * *
هذا هو المقطع الأول في السورة. وهو يعالج قضية البعث ، وإنكار المشركين له ، وعجبهم من ذكره والقول به. ولكن القرآن لا يواجه إنكارهم لهذه القضية فيعالجه وحده. إنما هو يواجه قلوبهم المنحرفة ليردها أصلا إلى الحق ، ويقوّم ما فيها من عوج ؛ ويحاول قبل كل شيء إيقاظ هذه القلوب وهزها لتتفتح على الحقائق الكبيرة في صلب هذا الوجود. ومن ثم لا يدخل معهم في جدل ذهني لإثبات البعث. وإنما يحيي قلوبهم لتتفكر هي وتتدبر ، ويلمس وجدانهم ليتأثر بالحقائق المباشرة من حوله فيستجيب .. وهو درس يحسن أن ينتفع به من يحاولون علاج القلوب!
وتبدأ السورة بالقسم. القسم بالحرف : «قاف» وبالقرآن المجيد ، المؤلف من مثل هذا الحرف. بل إنه هو أول حرف في لفظ «قرآن» ..
ولا يذكر المقسم عليه. فهو قسم في ابتداء الكلام ، يوحي بذاته باليقظة والاهتمام. فالأمر جلل ، والله يبدأ الحديث بالقسم ، فهو أمر إذن له خطر. ولعل هذا هو المقصود بهذا الابتداء. إذ يضرب بعده بحرف (بَلْ) عن المقسم عليه ـ بعد أن أحدث القسم أثره في الحس والقلب ـ ليبدأ حديثا كأنه جديد عن عجبهم واستنكارهم لما جاءهم به رسولهم في القرآن المجيد من أمر البعث والخروج :
(بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ، فَقالَ الْكافِرُونَ : هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً؟ ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ).
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
