بروح الله التي ترعاه. وعندئذ يشعر أنه يملك أن يتصل بهذا الوجود كله ، وأن يمتد طولا وعرضا فيه ؛ وأنه يملك أن يصنع أشياء كثيرة ، وأن ينشئ أحداثا ضخمة ، وأن يؤثر بكل شيء ويتأثر. ثم يملك أن يستمد مباشرة من تلك القوة الكبرى التي برأته وبرأت كل ما في الوجود من قوى وطاقات. القوة الكبرى التي لا تنحسر ولا تضعف ولا تغيب.
ومن هذا التصور الواسع الرحيب يستمد موازين جديدة حقيقية للأشياء والأحداث والأشخاص والقيم والاهتمامات والغايات. ويرى دوره الحقيقي في هذا الوجود ، ومهمته الحقيقية في هذه الحياة. بوصفه قدرا من أقدار الله في الكون ، يوجهه ليحقق به ويحقق فيه ما يشاء. ويمضي في رحلته على هذا الكوكب ، ثابت الخطو ، مكشوف البصيرة ، مأنوس الضمير.
ومن هذه المعرفة لحقيقة الوجود حوله ، ولحقيقة الدور المقسوم له ، ولحقيقة الطاقة المهيأة له للقيام بهذا الدور. من هذه المعرفة يستمد الطمأنينة والسكينة والارتياح لما يجري حوله ، ولما يقع له. فهو يعرف من أين جاء؟ ولما ذا جاء؟ وإلى أين يذهب؟ وماذا هو واجد هناك؟ وقد علم أنه هنا لأمر ، وأن كل ما يقع له مقدر لتمام هذا الأمر. وعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وأنه مجزي على الصغيرة والكبيرة ، وأنه لم يخلق عبثا ، ولن يترك سدى ، ولن يمضي مفردا ..
ومن هذه المعرفة تختفي مشاعر القلق والشك والحيرة الناشئة عن عدم معرفة المنشأ والمصير ؛ وعدم رؤية المطوي من الطريق ، وعدم الثقة بالحكمة التي تكمن وراء مجيئه وذهابه ، ووراء رحلته في ذلك الطريق.
يختفي شعور كشعور الخيام الذي يعبر عنه بما ترجمته :
|
لبست ثوب العمر لم أستشر |
|
وحرت فيه بين شتى الفكر |
|
وسوف أنضو الثوب عني ولم |
|
أدر لما ذا جئت أين المقر؟ |
فالمؤمن يعرف ـ بقلب مطمئن ، وضمير مستريح ، وروح مستبشرة ـ أنه يلبس ثوب العمر بقدر الله الذي يصرف الوجود كله تصريف الحكيم الخيبر. وأن اليد التي ألبسته إياه أحكم منه وأرحم به ، فلا ضرورة لاستشارته لأنه لم يكن ليشير كما يشير صاحب هذه اليد العليم البصير. وأنه يلبسه لأداء دور معين في هذا الكون ، يتأثر بكل ما فيه ، ويؤثر في كل ما فيه. وأن هذا الدور يتناسق مع جميع الأدوار التي يقوم بها كل كائن من الأشياء والأحياء منذ البدء حتى المصير.
وهو يعلم إذن لما ذا جاء ، كما أنه يعرف أين المقر ، ولا يحار بين شتى الفكر ، بل يقطع الرحلة ويؤدي الدور في طمأنينة وفي ثقة وفي يقين. وقد يرتقي في المعرفة الإيمانية ، فيقطع الرحلة ويؤدي الدور في فرح وانطلاق واستبشار ، شاعرا بجمال الهبة وجلال العطية. هبة العمر ـ أو الثوب ـ الممنوح له من يد الكريم المنان ، الجميل اللطيف ، الودود الرحيم. وهبة الدور الذي يؤديه ـ كائنا ما كان من المشقة ـ لينتهي به إلى ربه في اشتياق حبيب!
ويختفي شعور كالشعور الذي عشته في فترة من فترات الضياع والقلق ، قبل أن أحيا في ظلال القرآن ، وقبل أن يأخذ الله بيدي إلى ظله الكريم. ذلك الشعور الذي خلعته روحي المتعبة على الكون كله ، فعبرت عنه أقول :
|
وقف الكون حائرا أين يمضي؟ |
|
ولما ذا وكيف ـ لو شاء ـ يمضي؟ |
|
عبث ضائع وجهد غبين |
|
ومصير مقنّع ليس يرضي |
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
