والهلاك. فإنما هو جزاء النكسة عن خط الهدى ومنهج اليقين.
* * *
ثم يبدأ معهم جولة جديدة عن القرآن الكريم :
(وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ. وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) ..
لقد قرر في الجولة الماضية أنه تنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين ؛ واستطرد مع تكذيبهم به ، واستعجالهم ما يتوعدهم من عذاب فيه .. وها هو ذا ينفي دعواهم أنه من وحي الشياطين على طريقة الكهان ، الذين كانوا يزعمون أن الشياطين تأتيهم بخبر الغيب ، وبالسمع الذي يتكهنون فيه بالأخبار.
وما يليق هذا القرآن بالشياطين. وهو يدعو إلى الهدى والصلاح والإيمان. والشياطين تدعو إلى الضلال والفساد والكفر.
وما هم بمستطيعين أن يأتوا به. فهم معزولون عن سماع الوحي به من الله. إنما يتنزل به الروح الأمين ، بإذن من رب العالمين. وليس هذا بميسور للشياطين.
* * *
وهنا يلتفت بالخطاب إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يحذره من الشرك ـ وهو أبعد من يكون عنه ـ ليكون غيره أولى بالحذر. ويكلفه إنذار عشيرته الأقربين. ويأمره بالتوكل على الله ، الذي يلحظه دائما ويرعاه :
(فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ. وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ : إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ. وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ..
وحين يكون الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ متوعدا بالعذاب مع المعذبين ، لو دعا مع الله إلها آخر. وهذا محال ولكنه فرض للتقريب. فكيف يكون غيره؟ وكيف ينجو من العذاب من يدعو هذه الدعوة من الآخرين؟! وليس هنالك محاباة ، والعذاب لا يتخلف حتى عن الرسول ، لو ارتكب هذا الإثم العظيم!
وبعد إنذار شخصه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يكلف إنذار أهله. لتكون لمن سواهم عبرة ، أن هؤلاء يتهددهم العذاب لو بقوا على الشرك لا يؤمنون : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) ..
روى البخاري ومسلم أنه لما نزلت هذه الآية أتى النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ الصفا فصعد عليه ثم نادى : يا صباحاه! فاجتمع الناس إليه ، بين رجل يجيء إليه ، وبين رجل يبعث رسوله. فقال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «يا بني عبد المطلب. يا بني فهر. يا بني لؤي. أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟» قالوا : نعم. قال : «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم! أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله : (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ..).
وأخرج مسلم ـ بإسناده ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : لما نزلت : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) قام رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فقال : «يا فاطمة ابنة محمد. يا صفية ابنة عبد المطلب. يا بني عبد المطلب. لا أملك لكم من الله شيئا. سلوني من مالي ما شئتم».
وأخرج مسلم والترمذي ـ بإسناده عن أبي هريرة ـ قال : لما نزلت هذه الآية. دعا رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قريشا فعم وخص فقال : يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
