سمعت طاووسا يحدث عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه سأل عن قوله تعالى : (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) فقال سعيد بن جبير : «قربى آل محمد. فقال ابن عباس : عجلت. إن النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ لم يكن بطن من بطون قريش إلا كان له فيهم قرابة. فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة».
ويكون المعنى على هذا : إلا أن تكفوا أذاكم مراعاة للقرابة. وتسمعوا وتلينوا لما أهديكم إليه. فيكون هذا هو الأجر الذي أطلبه منكم لا سواه.
وتأويل ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أقرب من تأويل سعيد بن جبير ـ رضي الله عنه ـ ولكنني ما أزال أحس أن ذلك المعنى أقرب وأندى .. والله أعلم بمراده منا.
وعلى أية حال فهو يذكرهم ـ أمام مشهد الروضات والبشريات ـ أنه لا يسألهم على شيء من هذا أجرا. ودون هذا بمراحل يطلب عليه الأدلاء أجرا ضخما! ولكنه فضل الله الذي لا يحاسب العباد حساب التجارة ، ولا حساب العدل ، ولكن حساب السماحة وحساب الفضل :
(وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً) ..
فليس هو مجرد عدم تناول الأجر. بل إنها الزيادة والفضل .. ثم هي بعد هذا كله المغفرة والشكر :
(إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) ..
الله يغفر. ثم .. الله يشكر .. ويشكر من؟ يشكر لعباده. وهو وهبهم التوفيق على الإحسان. ثم هو يزيد لهم في الحسنات ، ويغفر لهم السيئات. ويشكر لهم بعد هذا وذاك .. فيا للفيض الذي يعجز الإنسان عن متابعته. فضلا على شكره وتوفيته!
* * *
ثم يعود إلى الحديث عن تلك الحقيقة الأولى :
(أَمْ يَقُولُونَ : افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً؟ فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ، وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ ، وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ).
هنا يأتي على الشبهة الأخيرة ، التي قد يعللون بها موقفهم من ذلك الوحي ، الذي تحدث عن مصدره وعن طبيعته وعن غايته في الجولات الماضية :
(أَمْ يَقُولُونَ : افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً؟) ..
فهم من ثم لا يصدقونه ، لأنهم يزعمون أنه لم يوح إليه ، ولم يأته شيء من الله؟
ولكن هذا قول مردود. فما كان الله ليدع أحدا يدعي أن الله أوحى إليه ، وهو لم يوح إليه شيئا ، وهو قادر على أن يختم على قلبه ، فلا ينطق بقرآن كهذا. وأن يكشف الباطل الذي جاء به ويمحوه. وأن يظهر الحق من ورائه ويثبته :
(فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ، وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ ، وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ)
وما كان ليخفى عليه ما يدور في خلد محمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ حتى قبل أن يقوله :
(إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) ..
فهي شبهة لا قوام لها. وزعم لا يقوم على أساس. ودعوى تخالف المعهود عن علم الله بالسرائر ، وعن قدرته
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
