داود : (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى) .. ثم يعقب على هذا بالإشارة إلى الحق الكامن في خلق السماوات والأرض : (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً. ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) .. ثم يجيء ذكر الحق على لسان القوي العزيز : (قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ) .. فهو الحق الذي تتعدد مواضعه وصوره ، وتتحد طبيعته وكنهه. ومنه هذا الوعد الصادق :
(لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) ..
وهي المعركة إذن بين الشيطان وأبناء آدم ، يخوضونها على علم. والعاقبة مكشوفة لهم في وعد الله الصادق الواضح المبين. وعليهم تبعة ما يختارون لأنفسهم بعد هذا البيان. وقد شاءت رحمة الله ألا يدعهم جاهلين ولا غافلين. فأرسل إليهم المنذرين.
* * *
وفي نهاية الشوط وختام السورة يكلف الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن يلقي إليهم بالقول الأخير :
(قُلْ : ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ؛ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) ..
إنها الدعوة الخالصة للنجاة ، بعد كشف المصير وإعلان النذير. الدعوة الخالصة التي لا يطلب صاحبها أجرا وهو الداعية السليم الفطرة ، الذي ينطق بلسانه ، لا يتكلف ولا يتصنع ، ولا يأمر إلا بما يوحي منطق الفطرة القريب. وإنه للتذكير للعالمين أجمعين فقد ينسون ويغفلون. وإنه للنبأ العظيم الذي لا يلقون بالهم إليه اليوم. وليعلمن نبأه بعد حين. نبأه في الأرض ـ وقد علموه بعد سنوات من هذا القول ـ ونبأه في اليوم المعلوم. عند ما يحق وعد الله اليقين : (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) ..
إنه الختام الذي يتناسق مع افتتاح السورة ومع موضوعها والقضايا التي تعالجها : وهو الإيقاع المدوي العميق ، الموحي بضخامة ما سيكون : (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) ..
انتهى الجزء الثالث والعشرون
ويليه الجزء الرابع والعشرون
مبدوءا بسورة الزّمر
__________________
(١) ينتهي الجزء الثالث والعشرون بالآية ٣١ من سورة الزمر ولكننا آثرنا عرض السورة كاملة في الجزء الرابع والعشرين.
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
