ولا يقف المشهد عند هذا الموقف المؤذي ويطويه. بل يستطرد العرض فإذا مشهد جديد عجيب :
(الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ ، وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ ، وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) ..
وهكذا يخذل بعضهم بعضا ، وتشهد عليهم جوارحهم ، وتتفكك شخصيتهم مزقا وآحادا يكذب بعضها بعضا. وتعود كل جارحة إلى ربها مفردة ، ويثوب كل عضو إلى بارئه مستسلما.
إنه مشهد عجيب رهيب تذهل من تصوره القلوب!
* * *
كذلك انتهى المشهد وألسنتهم معقودة وأيديهم تتكلم ، وأرجلهم تشهد ، على غير ما كانوا يعهدون من أمرهم وعلى غير ما كانوا ينتظرون. ولو شاء الله لفعل بهم غير ذلك ، ولأجرى عليهم من البلاء ما يريد .. ويعرض هنا نوعين من هذا البلاء لو شاء الله لأخذ بهما من يشاء :
(وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ ، فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ، وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ) ..
وهما مشهدان فيهما من البلاء قدر ما فيهما من السخرية والاستهزاء. السخرية بالمكذبين والاستهزاء بالمستهزئين ، الذين كانوا يقولون : (مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟) ..
فهم في المشهد الأول عميان مطموسون. ثم هم مع هذا العمى يستبقون الصراط ويتزاحمون على العبور ، ويتخبطون تخبط العميان حين يتسابقون! ويتساقطون تساقط العميان حين يسارعون متنافسين! (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) وهم في المشهد الثاني قد جمدوا فجأة في مكانهم ، واستحالوا تماثيل لا تمضي ولا تعود ؛ بعد أن كانوا منذ لحظة عميانا يستبقون ويضطربون!
وإنهم ليبدون في المشهدين كالدمى واللعب ، في حال تثير السخرية والهزء. وقد كانوا من قبل يستخفون بالوعيد ويستهزئون!
* * *
ذلك كله حين يحين الموعد الذي يستعجلون .. فأما لو تركوا في الأرض ، وعمروا طويلا وأمهلهم الوعد المرسوم بعض حين ؛ فإنهم صائرون إلى شر يحمدون معه التعجيل .. إنهم صائرون إلى شيخوخة وهرم ، ثم إلى خرف ونكسة في الشعور والتفكير :
(وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ. أَفَلا يَعْقِلُونَ) ..
والشيخوخة نكسة إلى الطفولة. بغير ملاحة الطفولة وبراءتها المحبوبة! وما يزال الشيخ يتراجع ، وينسى ما علم ، وتضعف أعصابه ، ويضعف فكره ، ويضعف احتماله ، حتى يرتد طفلا. ولكن الطفل محبوب اللثغة ، تبسم له القلوب والوجوه عند كل حماقة. والشيخ مجتوى لا تقال له عثرة إلا من عطف ورحمة ، وهو مثار السخرية كلما بدت عليه مخايل الطفولة وهو عجوز. وكلما استحمق وقد قوست ظهره السنون!
فهذه العاقبة كتلك تنتظر المكذبين ، الذين لا يكرمهم الله بالإيمان الراشد الكريم ..
* * *
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
