وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً) (٧٧)
هذا الشوط الأخير في السورة يبرز فيه (عِبادُ الرَّحْمنِ) بصفاتهم المميزة ، ومقوماتهم الخاصة ؛ وكأنما هم خلاصة البشرية في نهاية المعركة الطويلة بين الهدى والضلال. بين البشرية الجاحدة المشاقة والرسل الذين يحملون الهدى لهذه البشرية. وكأنما هم الثمرة الجنية لذلك الجهاد الشاق الطويل ، والعزاء المريح لحملة الهدى فيما لاقوه من جحود وصلادة وإعراض!.
وقد سبق في الدرس الماضي تجاهل المشركين واستنكارهم لاسم (الرَّحْمنُ) فهاهم أولاء عباد الرحمن ، الذين يعرفون الرحمن ، ويستحقون أن ينسبوا إليه ، وأن يكونوا عباده. ها هم أولاء بصفاتهم المميزة ومقومات نفوسهم وسلوكهم وحياتهم. ها هم أولاء مثلا حية واقعية للجماعة التي يريدها الإسلام ، وللنفوس التي ينشئها بمنهجه التربوي القويم. وهؤلاء هم الذين يستحقون أن يعبأ بهم الله في الأرض ، ويوجه إليهم عنايته ؛ فالبشر كلهم أهون على الله من أن يعبأ بهم ، لو لا أن هؤلاء فيهم ، ولو لا أن هؤلاء يتوجهون إليه بالتضرع والدعاء.
* * *
(وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا : سَلاماً) ..
ها هي ذي السمة الأولى من سمات عباد الرحمن : أنهم يمشون على الأرض مشية سهلة هينة ، ليس فيها تكلف ولا تصنع ، وليس فيها خيلاء ولا تنفج ، ولا تصعير خد ولا تخلع أو ترهل. فالمشية ككل حركة تعبير عن الشخصية ، وعما يستكن فيها من مشاعر. والنفس السوية المطمئنة الجادة القاصدة ، تخلع صفاتها هذه على مشية صاحبها ، فيمشي مشية سوية مطمئنة جادة قاصدة. فيها وقار وسكينة ، وفيها جد وقوة. وليس معنى : (يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) أنهم يمشون متماوتين منكسي الرءوس ، متداعي الأركان ، متهاوي البنيان ؛ كما يفهم بعض الناس ممن يريدون إظهار التقوى والصلاح! وهذا رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ كان إذا مشى تكفأ تكفيا ، وكان أسرع الناس مشية ، وأحسنها وأسكنها ، قال أبو هريرة : ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ كأن الشمس تجري في وجهه ، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ كأنما الأرض تطوى له ـ وإنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث. وقال على بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ كان رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إذا مشى تكفأ تكفيا كأنما ينحط من صبب. وقال مرة إذا تقلع ـ قلت والتقلع الارتفاع من الأرض بجملته كحال المنحط من الصبب ، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة (١).
__________________
(١) عن زاد المعاد في هدى خير العباد لشمس الدين أبي عبد الله محمد ابن قيم الجوزية.
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
