تحرك الخيوط كلها وتجمعها ؛ وتقبضها وتبسطها ، وتشدها وترخيها. بلا معقب ولا شريك ولا ظهير.
ومنذ ابتداء السورة نلمح هذه السمة البارزة ، وتطرد إلى ختامها ..
هذا الكون الهائل نلمح اليد القادرة القاهرة تبرزه إلى الوجود وفق ما تريد : (الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ. يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ..
وهذه القبضة القوية تنفرج فترسل بالرحمة تتدفق وتفيض ، وتنقبض فتغلق ينابيعها وتغيض. بلا معقب ولا شريك :
(ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها ، وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ..
والهدى والضلال رحمة تتدفق أو تغيض : (فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) .. (إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ. إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) ..
وهذه اليد تصنع الحياة الأولى وتنشر الموتى في الحياة الآخرة : (وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ ، فَتُثِيرُ سَحاباً ، فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ ، فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها. كَذلِكَ النُّشُورُ) ..
والعزة كلها الله ومنه وحده تستمد : (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) ..
والخلق والتكوين والنسل والأجل خيوطها كلها في تلك اليد لا تند عنها : (وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ، ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً. وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ. وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ ، وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ. إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) ..
وفي تلك القبضة تتجمع مقاليد السماوات والأرض وحركات الكواكب والأفلاك : (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى. ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ. وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) ..
ويد الله المبدعة تعمل في هذا الكون بطريقتها المعلمة ، وتصبغ وتلون في الجماد والنبات والحيوان والإنسان : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ، فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها ، وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ).
وهذه اليد تنقل خطى البشر ، وتورث الجيل الجيل : (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا) .. (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ) ..
وهي تمسك بهذا الكون الهائل تحفظه من الزوال. (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا ، وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) ..
وهي القابضة على أزمة الأمور لا يعجزها شيء على الإطلاق : (وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) ..
وهو (عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .. وهو (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .. (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) وهو (عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ) .. «و (لَهُ الْمُلْكُ) .. وهو (الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) .. (وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) .. وهو (عَزِيزٌ غَفُورٌ) .. وهو (غَفُورٌ شَكُورٌ) .. وإنه بعباده (لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ) .. وهو (عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) .. وهو (عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) .. وكان (حَلِيماً غَفُوراً) .. وكان (عَلِيماً قَدِيراً) .. وكان (بِعِبادِهِ بَصِيراً) ..
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
