تفصيلا في الجذر والجذع والورق والزهر والثمر لكل نبات. تماما كما تقرر الشكل ، والقشر ، والشعر ، والأجنحة لكل حيوان بما فيه الإنسان».
وبهذا القدر نكتفي من عجائب الحياة ، التي أودعتها إياها القدرة الخالقة المدبرة. (وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً) ..
* * *
وفي مثل هذا الجو. جو الخلق والتقدير. وأمام تلك الحياة الناشئة من ماء السماء وماء النطفة. المزودة بتلك الخصائص ، التي تجعل من خلية ذكرا بمميزاته كلها ووراثاته ، وتجعل من خلية أنثى بمميزاتها كذلك ووراثاتها .. في مثل هذا الجو تبدو عبادة غير الله شيئا مستغربا مستنكرا تشمئز منه الفطرة .. وهنا يعرض عباداتهم من دون الله.
(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ. وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً) ..
(وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً) .. كل كافر ـ ومشركو مكة من ضمنهم! ـ إنما هو حرب على ربه الذي خلقه وسواه. فكيف ذلك ، وهو صغير ضئيل لا يبلغ أن يكون حربا ولا ضدا على الله؟ إنه حرب على دينه. وحرب على منهجه الذي أراده للحياة. إنما يريد التعبير أن يفظع جريمته ويبشعها ، فيصوره حربا على ربه ومولاه!
فهو يحارب ربه حين يحارب رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ورسالته ، فلا على الرسول منه ، فإنما الحرب مع الله ، وهو به كفيل. ثم يطمئن الله عبده ، ويخفف العبء عن عاتقه ، ويشعره أنه حين يؤدي واجبه في التبشير والإنذار ، وجهاد الكفار بما معه من قرآن فلا عليه من عداء المجرمين له ولا عناد الكافرين. والله يتولى عنه المعركة مع أعدائه الذين إنما يعادون الله. فليتوكل على ربه. والله أعلم بذنوب عباده!
(وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً. قُلْ : ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ، وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً) ..
وبهذا يحدد واجب الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو التبشير والإنذار. ولم يكن بعد مأمورا بقتال المشركين وهو في مكة لضمان حرية التبشير والإنذار كما أمر به بعد ذلك في المدينة. وذلك لحكمة يعلمها الله. نحدس منها أنه كان في هذه الفترة يعد الرجال الذين ترتكز إليهم هذه العقيدة الجديدة ، وتعيش في نفوسهم ، وتترجم في حياتهم ، وتتمثل في سلوكهم ، لكي يكونوا نواة المجتمع المسلم الذي يحكمه الإسلام ويهيمن عليه. ولكي لا يدخل في خصومات وثارات دموية تصد قريشا عن الإسلام ، وتغلق قلوبهم دونه ؛ والله يقدر أنهم سيدخلون فيه بعضهم قبل الهجرة وسائرهم بعد الفتح ، ويكون منهم نواة صلبة للعقيدة الخالدة بإذن الله.
على أن لب الرسالة بقي في المدينة كما كان في مكة هو التبشير والإنذار. إنما جعل القتال لإزالة الموانع المادية دون حرية الدعوة ، ولحماية المؤمنين حتى لا تكون فتنة ؛ فالنص صادق في مكة وفي المدينة على السواء : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً) ..
(قُلْ : ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً) ..
فليس للرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من مطمع في أجر ولا عرض من أعراض الحياة الدنيا يناله ممن يهتدون إلى الإسلام. ليست هناك إتاوة ، ولا نذر ولا قربان يقدمه المسلم. وهو يدخل في الجماعة المسلمة
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
