(يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ. قُلْ : إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ. وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً) ..
وقد كانوا ما يفتأون يسألون النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ عن الساعة التي حدثهم عنها طويلا ؛ وخوفهم بها طويلا ؛ ووصف القرآن مشاهدها حتى لكأن قارئه يراها. يسألونه عن موعدها ؛ ويستعجلون هذا الموعد ؛ ويحمل هذا الاستعجال معنى الشك فيها ، أو التكذيب بها ، أو السخرية منها ، بحسب النفوس السائلة ، وقربها من الإيمان أو بعدها.
والساعة غيب قد اختص به الله سبحانه ، ولم يشأ أن يطلع عليه أحدا من خلقه جميعا ، بما فيهم الرسل والملائكة المقربون. وفي حديث حقيقة الإيمان والإسلام : عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : حدثني أبي عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثوب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ؛ وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام. فقال : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال : صدقت! فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال : فأخبرني عن الإيمان. قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال : صدقت! قال : فأخبرني عن الإحسان. قال : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال : فأخبرني عن الساعة. قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل .. إلخ. ثم قال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ «فإنه جبريل عليهالسلام أتاكم يعلمكم دينكم (١)».
فالمسؤول رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ والسائل ـ جبريل عليهالسلام ـ كلاهما لا يعلم علم الساعة ؛ (قُلْ : إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ) .. على وجه الاختصاص والتفرد من دون عباد الله.
قدر الله هذا لحكمة يعلمها ، نلمح طرفا منها ، في ترك الناس على حذر من أمرها ، وفي توقع دائم لها ، وفي استعداد مستمر لفجأتها. ذلك لمن أراد الله له الخير ، وأودع قلبه التقوى. فأما الذين يغفلون عن الساعة ، ولا يعيشون في كل لحظة على أهبة للقائها ، فأولئك الذين يختانون أنفسهم ، ولا يقونها من النار. وقد بين الله لهم وحذرهم وأنذرهم ؛ وجعل الساعة غيبا مجهولا متوقعا في أية لحظة من لحظات الليل والنهار : (وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً) ..
* * *
(إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ، خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ، يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ، يَقُولُونَ : يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا. وَقالُوا : رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا ، فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً) ..
إنهم يسألون عن الساعة. فهذا مشهد من مشاهد الساعة :
(إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً) ..
إن الله طرد الكافرين من رحمته ، وهيأ لهم نارا مسعرة متوقدة ، فهي معدة جاهزة حاضرة.
(خالِدِينَ فِيها أَبَداً) ..
__________________
(١) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
