وقد روى البخاري ـ رحمهالله ـ عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : إن زينب بنت جحش ـ رضي الله عنها ـ كانت تفخر على أزواج النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فتقول : زوجكن أهاليكن ، وزوجني الله ـ تعالى ـ من فوق سبع سماوات.
ولم تمر المسألة سهلة ، فلقد فوجئ بها المجتمع الإسلامي كله ؛ كما انطلقت ألسنة المنافقين تقول : تزوج حليلة ابنه!
ولما كانت المسألة مسألة تقرير مبدأ جديد فقد مضى القرآن يؤكدها ؛ ويزيل عنصر الغرابة فيها ، ويردها إلى أصولها البسيطة المنطقية التاريخية :
(ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ) ..
فقد فرض له أن يتزوج زينب ، وأن يبطل عادة العرب في تحريم أزواج الأدعياء. وإذن فلا حرج في هذا الأمر ، وليس النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فيه بدعا من الرسل.
(سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) ..
فهو أمر يمضي وفق سنة الله التي لا تتبدل. والتي تتعلق بحقائق الأشياء ، لا بما يحوطها من تصورات وتقاليد مصطنعة لا تقوم على أساس.
(وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً) ..
فهو نافذ مفعول ، لا يقف في وجهه شيء ولا أحد. وهو مقدر بحكمة وخبرة ووزن ، منظور فيه إلى الغاية التي يريدها الله منه. ويعلم ضرورتها وقدرها وزمانها ومكانها. وقد أمر الله رسوله أن يبطل تلك العادة ويمحو آثارها عمليا ، ويقرر بنفسه السابقة الواقعية. ولم يكن بد من نفاذ أمر الله.
وسنة الله هذه قد مضت في الذين خلوا من قبل من الرسل :
(الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ) ..
فلا يحسبون للخلق حسابا فيما يكلفهم الله به من أمور الرسالة ، ولا يخشون أحدا إلا الله الذي أرسلهم للتبليغ والعمل والتنفيذ.
(وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً) ..
فهو وحده الذي يحاسبهم ، وليس للناس عليهم من حساب.
(ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ) فزينب ليست حليلة ابنه ، وزيد ليس ابن محمد. إنما هو ابن حارثة. ولا حرج إذن في الأمر حين ينظر إليه بعين الحقيقة الواقعة.
والعلاقة بين محمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وبين جميع المسلمين ـ ومنهم زيد بن حارثة ـ هي علاقة النبي بقومه ، وليس هو أبا لأحد منهم :
(وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ) ..
ومن ثم فهو يشرع الشرائع الباقية ، لتسير عليها البشرية ؛ وفق آخر رسالة السماء إلى الأرض ، التي لا تبديل فيها بعد ذلك ولا تغيير.
(وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) ..
فهو الذي يعلم ما يصلح لهذه البشرية ، وما يصلحها ؛ وهو الذي فرض على النبي ما فرض ، واختار له
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
