عليه وسلّم ـ فزوجنا عبده! قال : فنزل القرآن : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً) إلى آخر الآية. قال : وجاء أمر أجمع من هذا : (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) قال : فذاك خاص وهذا أجمع.
وفي رواية ثالثة : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ثابت البناني ، عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : خطب النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ على جليبيب (١) امرأة من الأنصار إلى أبيها. فقال : حتى أستأمر أمها. فقال النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «فنعم إذن». قال : فانطلق الرجل إلى امرأته ، فذكر ذلك لها ، فقالت : لاها الله! إذن ما وجد رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إلا جليبيبا ، وقد منعناها من فلان وفلان؟ قال : والجارية في سترها تسمع. قال : فانطلق الرجل يريد أن يخبر رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بذلك. فقالت الجارية : أتريدون أن تردوا على رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أمره؟ إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه. قال : فكأنها جلت عن أبويها. وقالا : صدقت. فذهب أبوها إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فقال : إن كنت قد رضيته فقد رضيناه. قال ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «فإني قد رضيته». قال : فزوجها .. ثم فزع أهل المدينة ، فركب جليبيب ، فوجدوه قد قتل ، وحوله ناس من المشركين قد قتلهم. قال أنس ـ رضي الله عنه ـ فلقد رأيتها وإنها لمن أنفق بيت بالمدينة ..
فهذه الروايات ـ إن صحت ـ تعلق هذه الآية بحادث زواج زينب من زيد ـ رضي الله عنهما ـ أو زواجه من أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط.
وقد أثبتنا الرواية الثالثة عن جليبيب لأنها تدل على منطق البيئة الذي توكل الإسلام بتحطيمه ، وتولى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ تغييره بفعله وسنته. وهو جزء من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس منطق الإسلام الجديد ، وتصوره للقيم في هذه الأرض ، وانطلاق النزعة التحررية القائمة على منهج الإسلام ، المستمدة من روحه العظيم.
ولكن نص الآية أعم من أي حادث خاص. وقد تكون له علاقة كذلك بإبطال آثار التبني ، وإحلال مطلقات الأدعياء ، وحادث زواج رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من زينب ـ رضي الله عنها ـ بعد طلاقها من زيد. الأمر الذي كانت له ضجة عظيمة في حينه. والذي ما يزال يتخذه بعض أعداء الإسلام تكأة للطعن على رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ حتى اليوم ، ويلفقون حوله الأساطير!
وسواء كان سبب نزول الآية ما جاء في تلك الروايات ، أو كانت بصدد زواج الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من زينب ـ رضي الله عنها ـ فإن القاعدة التي تقررها الآية أعم وأشمل ، وأعمق جدا في نفوس المسلمين وحياتهم وتصورهم الأصيل.
فهذا المقوّم من مقومات العقيدة هو الذي استقر في قلوب تلك الجماعة الأولى من المسلمين استقرارا حقيقيا ؛ واستيقنته أنفسهم ، وتكيفت به مشاعرهم .. هذا المقوم يتلخص في أنه ليس لهم في أنفسهم شيء ؛ وليس لهم من أمرهم شيء. إنما هم وما ملكت أيديهم لله. يصرفهم كيف يشاء ، ويختار لهم ما يريد. وإن هم إلا بعض هذا الوجود الذي يسير وفق الناموس العام. وخالق هذا الوجود ومدبره يحركهم مع حركة الوجود العام ؛ ويقسم لهم دورهم في رواية الوجود الكبيرة ؛ ويقرر حركاتهم على مسرح الوجود العظيم. وليس لهم أن يختاروا الدور الذي يقومون به ، لأنهم لا يعرفون الرواية كاملة ؛ وليس لهم أن يختاروا الحركة التي يحبونها لأن ما يحبونه قد لا يستقيم مع الدور الذي خصص لهم! وهم ليسوا أصحاب الرواية ولا المسرح ؛ وإن هم إلا أجراء ،
__________________
(١) وهو من الموالي.
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
