قيمتها. فإدراكها على حقيقتها هو الذي يربط بيننا وبين شخصية الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وشخصيات أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ برباط حي ، فيه من التعاطف والتجاوب ما يستجيش القلب إلى التأسي العملي والاقتداء الواقعي.
* * *
ونعود بعد هذا الاستطراد إلى النص القرآني. فنجده ـ بعد تحديد القيم في أمر الدنيا والآخرة ؛ وتحقيق قوله تعالى : (ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) في صورة عملية في حياة النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وأهل بيته .. نجده بعد هذا البيان يأخذ في بيان الجزاء المدخر لأزواج النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وفيه خصوصية لهن وعليهن ، تناسب مقامهن الكريم ، ومكانهن من رسول الله المختار :
(يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً. وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ ، وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً) ..
إنها تبعة المكان الكريم الذي هن فيه. وهن أزواج رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهن أمهات المؤمنين. وهذه الصفة وتلك كلتاهما ترتبان عليهن واجبات ثقيلة ، وتعصمانهن كذلك من مقارفة الفاحشة. فإذا فرض وقارفت واحدة منهن فاحشة مبينة واضحة لاخفاء فيها ، كانت مستحقة لضعفين من العذاب. وذلك فرض يبين تبعة المكان الكريم الذي هن فيه .. (وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً) .. لا تمنعه ولا تصعبه مكانتهن من رسول الله المختار. كما قد يتبادر إلى الأذهان!
(وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً) .. والقنوت الطاعة والخضوع. والعمل الصالح هو الترجمة العملية للطاعة والخضوع .. (نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ) .. كما أن العذاب يضاعف للمقارفة ضعفين. (وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً) .. فهو حاضر مهيأ ينتظرها فوق مضاعفة الأجر. فضلا من الله ومنة.
* * *
ثم يبين لأمهات المؤمنين اختصاصهن بما ليس لغيرهن من النساء ؛ ويقرر واجباتهن في معاملة الناس ، وواجبهن في عبادة الله ، وواجبهن في بيوتهن ؛ ويحدثهن عن رعاية الله الخاصة لهذا البيت الكريم ، وحياطته وصيانته من الرجس ؛ ويذكرهن بما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة ، مما يلقي عليهن تبعات خاصة ، ويفردهن بين نساء العالمين :
(يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ. فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ؛ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى ؛ وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ ، وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ ، إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ـ أَهْلَ الْبَيْتِ ـ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ. إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً) ..
لقد جاء الإسلام فوجد المجتمع العربي ـ كغيره من المجتمعات في ذلك الحين ـ ينظر إلى المرأة على أنها أداة للمتاع ، وإشباع الغريزة. ومن ثم ينظر إليها من الناحية الإنسانية نظرة هابطة.
كذلك وجد في المجتمع نوعا من الفوضى في العلاقات الجنسية. ووجد نظام الأسرة مخلخلا على نحو ما سبق بيانه في السورة.
هذا وذلك إلى هبوط النظرة إلى الجنس ؛ وانحطاط الذوق الجمالي ؛ والاحتفال بالجسديات العارمة ، وعدم
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
