ويختار .. ولم يكن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ مكلفا من عقيدته ولا من شريعته أن يعيش مثل هذه المعيشة التي أخذ بها نفسه وأهل بيته ، فلم تكن الطيبات محرمة في عقيدته وشريعته ؛ ولم يحرمها على نفسه حين كانت تقدم إليه عفوا بلا تكلف ، وتحصل بين يديه مصادفة واتفاقا ، لا جريا وراءها ولا تشهيا لها ، ولا انغماسا فيها ولا انشغالا بها .. ولم يكلف أمته كذلك أن تعيش عيشته التي اختارها لنفسه ، إلا أن يختارها من يريد ، استعلاء على اللذائذ والمتاع ، وانطلاقا من ثقلتها إلى حيث الحرية التامة من رغبات النفس وميولها.
ولكن نساء النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ كن نساء ، من البشر ، لهن مشاعر البشر. وعلى فضلهن وكرامتهن وقربهن من ينابيع النبوة الكريمة ، فإن الرغبة الطبيعية في متاع الحياة ظلت حية في نفوسهن. فلما أن رأين السعة والرخاء بعد ما أفاض الله على رسوله وعلى المؤمنين راجعن النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في أمر النفقة.
فلم يستقبل هذه المراجعة بالترحيب ، إنما استقبلها بالأسى وعدم الرضى ؛ إذ كانت نفسه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ترغب في أن تعيش فيما اختاره لها من طلاقه وارتفاع ورضى ؛ متجردة من الانشغال بمثل ذلك الأمر والاحتفال به أدنى احتفال ؛ وأن تظل حياته وحياة من يلوذون به على ذلك الأفق السامي الوضيء المبرأ من كل ظل لهذه الدنيا وأوشابها. لا بوصفه حلالا وحراما ـ فقد تبين الحلال والحرام ـ ولكن من ناحية التحرر والانطلاق والفكاك من هواتف هذه الأرض الرخيصة!
ولقد بلغ الأسى برسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من مطالبة نسائه له بالنفقة أن احتجب عن أصحابه. وكان احتجابه عنهم أمرا صعبا عليهم يهون كل شيء دونه. وجاءوا فلم يؤذن لهم. روى الإمام أحمد ـ بإسناده عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال : أقبل أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ يستأذن على رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ والناس ببابه جلوس ، والنبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ جالس ، فلم يؤذن له. ثم أقبل عمر ـ رضي الله عنه ـ فاستأذن فلم يؤذن له. ثم أذن لأبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ فدخلا ، والنبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ جالس وحوله نساؤه ، وهو ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ساكت. فقال عمر ـ رضي الله عنه ـ : لأكلمن النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ لعله يضحك. فقال عمر ـ رضي الله عنه ـ يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد ـ امرأة عمر ـ سألتني النفقة آنفا فوجأت عنقها! فضحك النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ حتى بدت نواجذه ، وقال : «هن حولي يسألنني النفقة»! فقام أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ إلى عائشة ليضربها ، وقام عمر ـ رضي الله عنه ـ إلى حفصة ، كلاهما يقولان : تسألان النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ما ليس عنده؟! فنهاهما الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فقلن : والله لا نسأل رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بعد هذا المجلس ما ليس عنده .. قال : وأنزل الله عزوجل الخيار ، فبدأ بعائشة ـ رضي الله عنها ـ فقال : «إني أذكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك» قالت : وما هو؟ قال : فتلا عليها (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ) .. الآية. قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ : أفيك استأمر أبويّ؟ بل أختار الله تعالى ورسوله. وأسألك ألا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت. فقال ـ صلىاللهعليهوسلم ـ «إن الله تعالى لم يبعثني معنفا ، ولكن بعثني معلما ميسرا. لا تسألني امرأت منهن عما اخترت إلا أخبرتها (١)».
وفي رواية البخاري ـ بإسناده ـ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن : أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ زوج النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أخبرته أن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ جاءها حين أمره الله تعالى أن يخير
__________________
(١) وأخرجه مسلم من حديث زكريا بن إسحاق.
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
