في هذا الشوط يدع مقولات المشركين وجدالهم مع الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ليبدأ جولة في مشاهد الكون ومجاليه ، يوجه إليها قلب الرسول ويصل بها مشاعره. وهذا الاتصال كاف وحده ليدفع خاطره عن مضايقات المشركين الصغيرة ؛ ويفتح قلبه على تلك الآفاق الوسيعة التي يتضاءل معها كيد الكائدين وعداوة المجرمين ..
والقرآن يوجه القلوب والعقول دائما إلى مشاهد هذا الكون ؛ ويربط بينها وبين العقول والقلوب. ويوقظ المشاعر لاستقبالها بحس جديد متفتح ، يتلقى الأصداء والأضواء ، وينفعل بها ويستجيب. ويسير في هذا الكون ليلتقط الآيات المبثوثة في تضاعيفه ، المنثورة في أرجائه ، المعروضة في صفحاته ، ويرى فيها يد الصانع المدبر ، ويستشعر آثار هذه اليد في كل ما تقع عليه عينه ، وكل ما يلمسه حسه ، وكل ما يلتقطه سمعه ؛ ويتخذ من هذا كله مادة للتدبر والتفكر ، والاتصال بالله ، عن طريق الاتصال بما صنعت يداه.
وحين يعيش الإنسان في هذا الكون مفتوح العين والقلب ، مستيقظ الحس والروح ، موصول الفكر والخاطر ؛ فإن حياته ترتفع عن ملابسات الأرض الصغيرة ، وشعوره بالحياة يتسامى ويتضاعف معا. وهو يحس في كل لحظة أن آفاق الكون أفسح كثيرا من رقعة هذه الأرض ؛ وأن كل ما يشهده صادر عن إرادة واحدة ، مرتبط بناموس واحد ، متجه إلى خالق واحد ؛ وإن هو إلا واحد من هذه المخلوقات الكثيرة المتصلة بالله ؛ ويد الله في كل ما حوله ، وكل ما تقع عليه عينه ، وكل ما تلمسه يداه.
إن شعورا من التقوى ، وشعورا من الأنس ، وشعورا من الثقة لتمتزج في حسه ، وتفيض على روحه ، وتعمر عالمه ، فتطبعه بطابع خاص من الشفافية والمودة والطمأنينة في رحلته على هذا الكوكب حتى يلقى الله. وهو يقضي هذه الرحلة كلها في مهرجان من صنع الله وعلى مائدة من يد الصانع المدبر الجميل التنسيق.
وفي هذا الدرس ينتقل السياق من مشهد الظل اللطيف ، ويد الله تمده ثم تقبضه في يسر ولطف. إلى مشهد الليل وما فيه من نوم وسبات ، والنهار وما فيه من حركة وانبعاث. إلى مشهد الرياح تبشر بالرحمة ثم يعقبها الماء المحيي للموات. إلى مشهد البحرين الفرات والأجاج وبينهما برزخ يمنعهما ويحجز بينهما فلا يختلطان. ومن ماء السماء إلى ماء النطفة ، وإذا هو بشر يصرف الحياة. إلى مشهد خلق السماوات والأرض في ستة أيام. إلى مشهد البروج في السماء وما فيها من سراج مضيء وقمر منير. إلى مشهد الليل والنهار يتعاقبان على مدار الزمان.
وفي خلال هذه المشاهد الموحية يوقظ القلب وينبه العقل إلى تدبر صنع الله فيها ؛ ويذكر بقدرته وتدبيره ؛ ويعجب معه إشراك المشركين ، وعبادتهم ما لا ينفعهم ولا يضرهم ، وجهلهم بربهم وتطاولهم عليه ، وتظاهرهم على الكفر والجحود والنكران. فإذا هو تصرف عجيب مريب في وسط هذا الحشد المعروض من آيات الله ، ومشاهد الكون الذي خلقه الله.
فلنعش نحن لحظات في ذلك المهرجان الذي يدعونا الخالق البارئ المصور إليه في طول الحياة.
* * *
(أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ـ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ـ ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً) ..
إن مشهد الظل الوريف اللطيف ليوحي إلى النفس المجهودة المكدودة بالراحة والسكن والأمان. وكأنما هو اليد الآسية الرحيمة تنسم على الروح والبدن ، وتمسح على القرح والألم ، وتهدهد القلب المتعب المكدود ..
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
