وكلتا السورتين تعالجان موضوعا متقاربا ، في جو متقارب هنا وهناك .. وقولتهم تلك يقصدون بها الإساءة إلى شخص رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ والتنقص منه. إذ يمثلونه برجل سحر عقله ، فهو يقول كلاما غريبا لا يقوله الطبيعيون من الناس! ولكنها في الوقت ذاته تشي بشعورهم الداخلي بأن ما يقوله غير طبيعي ، ولا مألوف ، ولا هو من عادة البشر ولا من مستوى البشر .. والرد عليهم يوحي بالتعجيب من أمرهم : (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ) وشبهوك بالمسحورين مرة ، واتهموك بالتزوير مرة ، ومثلوك برواة الأساطير مرة .. وكله ضلال ، وبعد عن إدراك الحق (فَضَلُّوا) ضلوا عن كل طريق للحق ، وكل سبيل للهدي (فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً).
وينهي هذا الجدل ببيان تفاهة ما يقترحون وما يتصورون من أعراض الحياة الدنيا ، التي يحسبونها ذات قيمة ، ويرونها أجدر أن يعطيها الله لرسوله إن كان حقا رسولا ، من كنز يلقى إليه ، أو جنة يأكل منها. فلو شاء الله لأعطاه أكبر مما يقترحون من هذا المتاع :
(تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ : جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً).
ولكنه شاء أن يجعل له خيرا من الجنات والقصور. الاتصال بواهب الجنات والقصور. والشعور برعايته وحياطته ، وتوجيهه وتوفيقه .. وتذوق حلاوة ذلك الاتصال ، الذي لا تقاربه نعمة من النعم ، ولا متاع صغر أو عظم. وشتان شتان لو كانوا يدركون أو يتذوقون!
* * *
وعند هذا الحد من استعراض مقولاتهم الظالمة عن الله وعلى رسول الله ، يكشف عن مدى آخر من آماد كفرهم وضلالهم. فهم يكذبون بالساعة ، ومن ثم لا يتحرجون من ظلم ولا افتراء ، ولا يخشون يوما يلقون فيه الله فيحاسبهم على الظلم والافتراء. وهنا يصورهم في مشهد من مشاهد القيامة يزلزل القلوب الصلدة ويهز المشاعر الخامدة ، ويطلعهم على هول ما ينتظرهم هناك ؛ وعلى حسن ما ينتظر المؤمنين في ذلك الهول العظيم :
(بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً ، إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ، وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً. لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً! قُلْ : أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً ، لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ ، كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً؟) ..
بل كذبوا بالساعة .. وبلغوا هذا المدى من الكفر والضلال. هذا المدى الذي يصوره التعبير بعيدا متطاولا ، يضرب عن كل ما قبله ليبرزه ويجسمه : (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ) .. ثم يكشف عن الهول الذي ينتظر أصحاب هذه الفعلة الشنيعة. إنها السعير حاضرة مهيأة : (وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً) ..
والتشخيص ـ ونعني به خلع الحياة وتجسيمها على ما ليس من شأنه الحياة المجسمة من الأشياء والمعاني والحالات النفسية ـ فن في القرآن ، يرتفع بالصور وبالمشاهد التي يعرضها إلى حد الإعجاز ، بما يبث فيها من عنصر الحياة (١).
ونحن هنا أمام مشهد السعير المتسعرة ، وقد دبت فيها الحياة! فإذا هي تنظر فترى أولئك المكذبين بالساعة.
__________________
(١) يراجع فصل. «التخييل الحسي والتجسيم» في كتاب : التصوير الفني في القرآن. «دار الشروق».
![في ظلال القرآن [ ج ٥ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3885_fi-zilal-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
