(وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ. قُلْ : لا تُقْسِمُوا. طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ. إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ. قُلْ : أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ. وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا. وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) ..
ولقد كان المنافقون يقسمون لرسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ لئن أمرهم بالخروج إلى القتال ليخرجن. والله يعلم إنهم لكاذبون. فهو يرد عليهم متهكما ، ساخرا من أيمانهم : (قُلْ : لا تُقْسِمُوا. طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) .. لا تحلفوا فإن طاعتكم معروف أمرها ، مفروغ منها ، لا تحتاج إلى حلف أو توكيد! كما تقول لمن تعلم عليه الكذب وهو مشهور به : لا تحلف لي على صدقك. فهو مؤكد ثابت لا يحتاج إلى دليل.
ويعقب على التهكم الساخر بقوله : (إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) .. فلا يحتاج إلى قسم ولا توكيد ، وقد علم أنكم لا تطيعون ولا تخرجون!
لهذا يعود فيأمرهم بالطاعة. الطاعة الحقيقية. لا طاعتهم تلك المعروفة المفهومة!
(قُلْ : أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) ..
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) وتعرضوا ، أو تنافقوا ولا تنفذوا (فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ) من تبليغ الرسالة وقد قام به وأداه (وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ) وهو أن تطيعوا وتخلصوا. وقد نكصتم عنه ولم تؤدوه : (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) إلى المنهج القويم المؤدي إلى الفوز والفلاح. (وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) فليس مسؤولا عن إيمانكم ، وليس مقصرا إذا أنتم توليتم. إنما أنتم المسئولون المعاقبون بما توليتم وبما عصيتم وبما خالفتم عن أمر الله وأمر الرسول.
* * *
وبعد استعراض أمر المنافقين ، والانتهاء منه على هذا النحو .. يدعهم السياق وشأنهم ، ويلتفت عنهم إلى المؤمنين المطيعين ، يبين جزاء الطاعة المخلصة ، والإيمان العامل ، في هذه الأرض قبل يوم الحساب الأخير :
(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ؛ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ؛ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً. يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً. وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) ..
ذلك وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن يستخلفهم في الأرض. وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم. وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا .. ذلك وعد الله. ووعد الله حق. ووعد الله واقع. ولن يخلف الله وعده .. فما حقيقة ذلك الإيمان؟ وما حقيقة هذا الاستخلاف؟
إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله ؛ وتوجه النشاط الإنساني كله. فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وبناء وإنشاء موجه كله إلى الله ؛ لا يبتغي به صاحبه إلا وجه الله ؛ وهي طاعة لله واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة ، لا يبقى معها هوى في النفس ، ولا شهوة في القلب ، ولا ميل في الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من عند الله.
فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله ، بخواطر نفسه ، وخلجات قلبه. وأشواق روحه ، وميول فطرته ، وحركات جسمه ، ولفتات جوارحه ، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعا. ويتوجه بهذا كله إلى الله .. يتمثل هذا في قول الله سبحانه في الآية نفسها تعليلا للاستخلاف والتمكين والأمن : (يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) والشرك مداخل وألوان ، والتوجه إلى غير الله بعمل أو شعور هو لون من ألوان الشرك بالله.
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
