وهنا نطلع على أفق عال من آفاق النفوس الزكية ، التي تطهرت بنور الله. أفق يشرق في نفس أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ أبي بكر الذي مسه حديث الإفك في أعماق قلبه ، والذي احتمل مرارة الاتهام لبيته وعرضه. فما يكاد يسمع دعوة ربه إلى العفو ؛ وما يكاد يلمس وجدانه ذلك السؤال الموحي : (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ؟) حتى يرتفع على الآلام ، ويرتفع على مشاعر الإنسان ، ويرتفع على منطق البيئة. وحتى تشف روحه وترف وتشرق بنور الله. فإذا هو يلبي داعي الله في طمأنينة وصدق يقول : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي. ويعيد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه ، ويحلف : والله لا أنزعها منه أبدا. ذلك في مقابل ما حلف : والله لا أنفعه بنافعة أبدا.
بذلك يمسح الله على آلام ذلك القلب الكبير ، ويغسله من أوضار المعركة ، ليبقى أبدا نظيفا طاهرا زكيا مشرقا بالنور ..
* * *
ذلك الغفران الذي يذكر الله المؤمنين به. إنما هو لمن تاب عن خطيئة رمي المحصنات وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. فأما الذين يرمون المحصنات عن خبث وعن إصرار ، كأمثال ابن أبيّ فلا سماحة ولا عفو. ولو أفلتوا من الحد في الدنيا ، لأن الشهود لم يشهدوا فإن عذاب الله ينتظرهم في الآخرة. ويومذاك لن يحتاج الأمر إلى شهود :
(إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) ..
ويجسم التعبير جريمة هؤلاء ويبشعها ؛ وهو يصورها رميا للمحصنات المؤمنات وهن غافلات غارّات ، غير آخذات حذرهن من الرمية. وهن بريئات الطوايا مطمئنات لا يحذرن شيئا ، لأنهن لم يأتين شيئا يحذرنه! فهي جريمة تتمثل فيها البشاعة كما تتمثل فيها الخسة. ومن ثم يعاجل مقتر فيها باللعنة. لعنة الله لهم ، وطردهم من رحمته في الدنيا والآخرة. ثم يرسم ذلك المشهد الأخاذ : (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ) .. فإذا بعضهم يتهم بعضا بالحق ، إذ كانوا يتهمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالإفك! وهي مقابلة في المشهد مؤثرة ، على طريقة التناسق الفني في التصوير القرآني.
(يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) .. ويجزيهم جزاءهم العدل ، ويؤدي لهم حسابهم الدقيق. ويومئذ يستيقنون مما كانوا يستريبون : (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) ..
* * *
ويختم الحديث عن حادث الإفك ببيان عدل الله في اختياره الذي ركبه في الفطرة ، وحققه في واقع الناس. وهو أن تلتئم النفس الخبيثة بالنفس الخبيثة ، وأن تمتزج النفس الطيبة بالنفس الطيبة. وعلى هذا تقوم العلاقات بين الأزواج. وما كان يمكن أن تكون عائشة ـ رضي الله عنها ـ كما رموها ، وهي مقسومة لأطيب نفس على ظهر هذه الأرض :
(الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ ، وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ. وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ ، وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ. أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) ..
ولقد أحبت نفس رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ عائشة حبا عظيما. فما كان يمكن أن يحببها الله لنبيه
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
