يعصر قلبه وقلب زوجه وأهله ؛ وأن تلوثوا بيت الصديق الذي لم يرم في الجاهلية ؛ وأن تتهموا صحابيا مجاهدا في سبيل الله. وأن تمسوا عصمة رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وصلته بربه ، ورعاية الله له .. (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً) .. (وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ) .. وما يعظم عند الله إلا الجليل الضخم الذي تزلزل له الرواسي ، وتضج منه الأرض والسماء.
ولقد كان ينبغي أن تجفل القلوب من مجرد سماعه ، وأن تتحرج من مجرد النطق به ، وأن تنكر أن يكون هذا موضوعا للحديث ؛ وأن تتوجه إلى الله تنزهه عن أن يدع نبيه لمثل هذا ؛ وأن تقذف بهذا الإفك بعيدا عن ذلك الجو الطاهر الكريم :
(وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ : ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا. سُبْحانَكَ! هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ) ..
وعند ما تصل هذه اللمسة إلى أعماق القلوب فتهزها هزا ؛ وهي تطلعها على ضخامة ما جنت وبشاعة ما عملت .. عندئذ يجيء التحذير من العودة إلى مثل هذا الأمر العظيم :
(يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ..
(يَعِظُكُمُ) .. في أسلوب التربية المؤثر. في أنسب الظروف للسمع والطاعة والاعتبار. مع تضمين اللفظ معنى التحذير من العودة إلى مثل ما كان : (يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً) .. ومع تعليق إيمانهم على الانتفاع بتلك العظة : (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .. فالمؤمنون لا يمكن أن يكشف لهم عن بشاعة عمل كهذا الكشف ، وأن يحذروا منه مثل هذا التحذير ، ثم يعودوا إليه وهم مؤمنون :
(وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ) .. على مثال ما بين في حديث الإفك ، وكشف عما وراءه من كيد ؛ وما وقع فيه من خطايا وأخطاء : (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) يعلم البواعث والنوايا والغايات والأهداف ؛ ويعلم مداخل القلوب ، ومسارب النفوس. وهو حكيم في علاجها ، وتدبير أمرها ، ووضع النظم والحدود التي تصلح بها ..
* * *
ثم يمضي في التعقيب على حديث الإفك ؛ وما تخلف عنه من آثار ؛ مكررا التحذير من مثله ، مذكرا بفضل الله ورحمته ، متوعدا من يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بعذاب الله في الآخرة. ذلك مع تنقية النفوس من آثار المعركة ؛ وإطلاقها من ملابسات الأرض ، وإعادة الصفاء إليها والإشراق .. كما تتمثل في موقف أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ من قريبه مسطح بن أثاثة الذي خاض في حديث الإفك مع من خاض :
(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) ..
والذين يرمون المحصنات ـ وبخاصة أولئك الذين تجرأوا على رمي بيت النبوة الكريم ـ إنما يعملون على زعزعة ثقة الجماعة المؤمنة بالخير والعفة والنظافة ؛ وعلى إزالة التحرج من ارتكاب الفاحشة ، وذلك عن طريق الإيحاء بأن الفاحشة شائعة فيها .. بذلك تشيع الفاحشة في النفوس ، لتشيع بعد ذلك في الواقع.
من أجل هذا وصف الذين يرمون المحصنات بأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، وتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
وذلك جانب من منهج التربية ، وإجراء من إجراءات الوقاية. يقوم على خبرة بالنفس البشرية ، ومعرفة بطريقة تكيف مشاعرها واتجاهاتها .. ومن ثم يعقب بقوله : (وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) .. ومن ذا الذي
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
