من المخلوقات ناموس خاص لا يلتقي فيه بناموس عام يصرف الجميع. (وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ) بغلبة سيطرته وتصريفه على الكون الذي لا يبقى ولا ينتظم إلا بناموس واحد ، وتصريف واحد ، وتدبير واحد.
وكل هذه الصور لا وجود لها في الكون ، الذي تشهد وحدة تكوينه بوحدة خالقه ، وتشهد وحدة ناموسه بوحدة مدبره. وكل جزء فيه وكل شيء يبدو متناسقا مع الأجزاء الأخرى بلا تصادم ولا تنازع ولا اضطراب .. (سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ) ..
(عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) فليس لغيره من خلق يستقل به ، ويعلم من دون الله أمره. (فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
* * *
وعند هذا الحد يلتفت عن خطابهم وجدلهم وحكاية حالهم ، إلى الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يأمره أن يتوجه إلى ربه مستعيذا به أن يجعله مع هؤلاء القوم ـ إن كان قد قدر له أن يرى تحقيق ما وعدهم به من العذاب. وأن يستعيذ به كذلك من الشياطين ، فلا تثور نفسه ، ولا يضيق صدره بما يقولون :
(قُلْ : رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ. رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ. ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ. وَقُلْ : رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) ..
ورسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في منجاة من أن يجعله الله مع القوم الظالمين حين يحل بهم العذاب الأليم ، ويتحقق ما يوعدون ، ولكن هذا الدعاء زيادة في التوقي ؛ وتعليم لمن بعده ألا يأمنوا مكر الله ، وأن يظلوا أبدا أيقاظا ، وأن يلوذوا دائما بحماه.
والله قادر على أن يحقق ما وعد به الظالمين في حياة الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ :
(وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ) ..
ولقد أراه بعض ما وعدهم في غزوة بدر. ثم في الفتح العظيم.
فأما حين نزول هذه السورة ـ وهي مكية ـ فكان منهج الدعوة دفع السيئة بالتي هي أحسن ؛ والصبر حتى يأتي أمر الله ؛ وتفويض الأمر لله :
(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ).
واستعاذة الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من همزات الشياطين ودفعاتهم ـ وهو معصوم منها ـ زيادة كذلك في التوقي ، وزيادة في الالتجاء إلى الله ، وتعليم لأمته وهو قدوتها وأسوتها ، أن يتحصنوا بالله من همزات الشياطين في كل حين. بل إن الرسول ليوجه إلى الاستعاذة بالله من مجرد قرب الشياطين ، لا من همزاتهم ودفعاتهم :
(وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) ..
ويحتمل أن تكون الاستعاذة من حضورهم إياه ساعة الوفاة. ويرشح لهذا المعنى ما يتلوه في السياق : (حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ...) على طريقة القرآن في تناسق المعاني وتداعيها ..
(حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
