وتتابع الرسل ، من لدن نوح ـ عليهالسلام ـ فإذا نحن نشهد موكب الرسل ، أو أمة الرسل ، وهم يلقون إلى البشرية بالكلمة الواحدة ، ذات المدلول الواحد ، والاتجاه الواحد ، حتى ليوحد ترجمتها في العربية ـ وقد قيلت بشتى اللغات التي أرسل بها الرسل إلى أقوامهم ـ فإذا الكلمة التي قالها نوح ـ عليهالسلام ـ هي ذاتها بنصها يقولها كل من جاء بعده من المرسلين ، فتجيب البشرية جوابا واحدا ، تكاد ألفاظه تتحد على مر القرون!
* * *
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ، فَقالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ. أَفَلا تَتَّقُونَ؟ فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ، وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ، ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ. إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ ، فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) ..
(يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) .. كلمة الحق التي لا تتبدل ، يقوم عليها الوجود ، ويشهد بها كل ما في الوجود (أَفَلا تَتَّقُونَ؟) وتخافون عاقبة الإنكار للحقيقة الأولى التي تقوم عليها الحقائق جميعا؟ وتستشعرون ما في إنكارها من تجن على الحق الباهر ، وما يعقب التجني من استحقاق للعذاب الأليم؟
ولكن كبراء قومه من الكفار لا يناقشون هذه الكلمة ؛ ولا يتدبرون شواهدها ، ولا يستطيعون التخلص من النظرة الضيقة المتعلقة بأشخاصهم وبشخص الرجل الذي يدعوهم ، ولا يرتفعون إلى الأفق الطليق الذي ينظرون منه إلى تلك الحقيقة الضخمة مجردة عن الأشخاص والذوات .. فإذا هم يتركون الحقيقة الكبرى التي يقوم عليها الوجود ، ويشهد بها كل ما في الوجود ، ليتحدثوا عن شخص نوح :
(فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ)!
من هذه الزاوية الضيقة الصغيرة نظر القوم إلى تلك الدعوة الكبيرة ، فما كانوا إذن ليدركوا طبيعتها ولا ليروا حقيقتها ؛ وذواتهم الصغيرة الضئيلة تحجب عنهم جوهرها ، وتعمي عليهم عنصرها ، وتقف حائلا بين قلوبهم وبينها ؛ فإذا القضية كلها في نظرهم قضية رجل منهم لا يفترق في شيء عنهم ، يريد أن يتفضل عليهم ، وأن يجعل لنفسه منزلة فوق منزلتهم!
وهم في اندفاعهم الصغير لرد نوح عن المنزلة التي يتوهمون أنه يعمل لها ، ويتوسل إليها بدعوى الرسالة .. في اندفاعهم هذا الصغير لا يردون فضل نوح وحده ، بل يردون فضل الإنسانية التي هم منها ؛ ويرفضون تكريم الله لهذا الجنس ؛ ويستكثرون أن يرسل الله رسولا من البشر ، إن يكن لا بد مرسلا :
(وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) ..
ذلك أنهم لا يجدون في أرواحهم تلك النفحة العلوية التي تصل البشر بالملأ الأعلى ؛ وتجعل المختارين من البشرية يتلقون ذلك الفيض العلوي ويطيقونه ، ويحملونه إلى إخوانهم من البشر ، فيهدونهم إلى مصدره الوضيء.
وهم يحيلون الأمر إلى السوابق المألوفة لا إلى العقل المتدبر :
(ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) ..
ومثل هذا يقع دائما عند ما يطمس التقليد على حركة الفكر وحرية القلب. فلا يتدبر الناس ما هو بين أيديهم من القضايا ، ليهتدوا على ضوء الواقع إلى حكم مباشر عليها. إنما هم يبحثون في ركام الماضي عن «سابقة» يستندون إليها ؛ فإن لم يجدوا هذه السابقة رفضوا القضية وطرحوها!
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
