وإن العقل البشري ليصيبه الكلال ، وهو يتأمل ـ مجرد تأمل ـ بعض ما في السماء والأرض ، ويتصور إحاطة علم الله بكل هذا الحشد من الأشياء والأشخاص ، والأعمال والنيات والخواطر والحركات ، في عالم المنظور وعالم الضمير. ولكن هذا كله ، بالقياس إلى قدرة الله وعلمه شيء يسير : (إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) .. وبعد أن يأمر الله رسوله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ألا يدع للمشركين فرصة لمنازعته في منهجه المستقيم ، يكشف عما في منهج المشركين من عوج ، وعما فيه من ضعف ، وعما فيه من جهل وظلم للحق ؛ ويقرر أنهم محرومون من عونه تعالى ونصرته. وهم بذلك محرومون من النصير :
(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً ، وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ. وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ).
وما لوضع ولا لشرع من قوة إلا أن يستمد قوته من الله. فما لم ينزل به الله من عنده قوة ، هو ضعيف هزيل ، خلو من عنصر القوة الأصيل.
وهؤلاء إنما يعبدون آلهة من الأصنام والأوثان ، أو من الناس أو الشيطان .. وهذه كلها لم ينزل الله بها قوة من عنده ، فهي محرومة من القوة. وهم لا يعبدونها عن علم ولا دليل يقتنعون به ، إنما هو الوهم والخرافة. وما لهم من نصير يلجأون إليه وقد حرموا من نصرة الله العزيز القدير.
وأعجب شيء أنهم وهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا ، وما ليس لهم به علم. لا يستمعون لدعوة الحق ، ولا يتلقون الحديث عنها بالقبول. إنما تأخذهم العزة بالإثم ، ويكادون يبطشون بمن يتلون عليهم كلام الله : (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ ، يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا) ..
إنهم لا يناهضون الحجة بالحجة ، ولا يقرعون الدليل بالدليل إنما هم يلجأون إلى العنف والبطش عند ما تعوزهم الحجة ويخذلهم الدليل. وذلك شأن الطغاة دائما يشتجر في نفوسهم العتو ، وتهيج فيهم روح البطش ، ولا يستمعون إلى كلمة الحق لأنهم يدركون أن ليس لهم ما يدفعون به هذه الكلمة إلا العنف الغليظ! ومن ثم يواجههم القرآن الكريم بالتهديد والوعيد : (قُلْ : أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ؟) بشر من ذلكم المنكر الذي تنطوون عليه ، ومن ذلك البطش الذي تهمون به .. (النَّارُ) .. وهي الرد المناسب للبطش والمنكر (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ..
* * *
ثم يعلن في الآفاق ، على الناس جميعا ، إعلانا مدويا عاما .. يعلن عن ضعف الآلهة المدعاة ؛ الآلهة كلها التي يتخذها الناس من دون الله. ومن بينها تلك الآلهة التي يستنصر بها أولئك الظالمون ، ويركن إليها أولئك الغاشمون. يعلن عن هذا الضعف في صورة مثل معروض للأسماع والأبصار ، مصور في مشهد شاخص متحرك ، تتملاه العيون والقلوب .. مشهد يرسم الضعف المزري ويمثله أبرع تمثيل :
(يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) ..
إنه النداء العام ، والنفير البعيد الصدى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ) .. فإذا تجمع الناس على النداء أعلنوا أنهم أمام مثل عام يضرب ، لا حالة خاصة ولا مناسبة حاضرة : (ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) .. هذا المثل يضع قاعدة ، ويقرر حقيقة. (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) .. كل من تدعون
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
