أي من استحق عذاب الله حسب سنته.
(وَمَنْ آمَنَ) ..
من غير أهلك.
(وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) ..
(وَقالَ : ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها) ..
فنفذ الأمر وحشر من حشر وما حشر.
(وَقالَ : ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها) .. وهذا تعبير عن تسليمها للمشيئة في جريانها ورسوها ، فهي في رعاية الله وحماه .. وماذا يملك البشر من أمر الفلك في اللجة الطاغية بله الطوفان؟!
* * *
ثم يأتي المشهد الهائل المرهوب : مشهد الطوفان :
(وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ ، وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ ـ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ ـ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ، قالَ. سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ. قالَ : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ. وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) ..
إن الهول هنا هولان. هول في الطبيعة الصامتة ، وهول في النفس البشرية يلتقيان :
(وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ) ..
وفي هذه اللحظة الرهيبة الحاسمة يبصر نوح ، فإذا أحد أبنائه في معزل عنهم وليس معهم ، وتستيقظ في كيانه الأبوة الملهوفة ، ويروح يهتف بالولد الشارد :
(يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ) ..
ولكن البنوة العاقة لا تحفل بالأبوة الملهوفة ، والفتوة المغرورة لا تقدر مدى الهول الشامل :
«قال : سآوي إلى جبل يعصمني من الماء» ..
ثم ها هي ذي الأبوة المدركة لحقيقة الهول وحقيقة الأمر ترسل النداء الأخير :
(قالَ : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ).
لا جبال ولا مخابئ ولا حام ولا واق. إلا من رحم الله.
وفي لحظة تتغير صفحة المشهد. فها هو ذا الموج الغامر يبتلع كل شيء :
(وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) ..
وإننا بعد آلاف السنين ، لنمسك أنفاسنا ـ ونحن نتابع السياق ـ والهول يأخذنا كأننا نشهد المشهد. وهي تجري بهم في موج كالجبال ، ونوح الوالد الملهوف يبعث بالنداء تلو النداء. وابنه الفتى المغرور يأبي إجابة الدعاء ، والموجة الغامرة تحسم الموقف في سرعة خاطفة راجفة وينتهي كل شيء ، وكأن لم يكن دعاء ولا جواب! وإن الهول هنا ليقاس بمداه في النفس الحية ـ بين الوالد والمولود ـ كما يقاس بمداه في الطبيعة ، والموج يطغى على الذرى بعد الوديان. وإنهما لمتكافئان ، في الطبيعة الصامتة وفي نفس الإنسان. وتلك سمة بارزة في تصوير القرآن.
* * *
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
