وما أنتم بمعجزين لله عن أن ينالكم ما يقدر لكم ، فأنتم دائما في قبضته ، وهو المدبر والمقدر لأمركم كله ، ولا مفر لكم من لقائه وحسابه وجزائه :
(هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ..
* * *
وعند هذا المقطع من قصة نوح ، يلتفت السياق لفتة عجيبة ، إلى استقبال مشركي قريش لمثل هذه القصة ، التي تشبه أن تكون قصتهم مع الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ودعواهم أن محمدا يفتري هذا القصص. فيرد هذا القول قبل أن يمضي في استكمال قصة نوح :
(أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ؟ قُلْ : إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) ..
فالافتراء إجرام ، قل لهم : إن كنت فعلته فعليّ تبعته. وأنا أعرف أنه إجرام فمستبعد أن أرتكبه ، وأنا بريء مما تجرمون من تهمة الافتراء إلى جوار غيرها من الشرك والتكذيب.
وهذا الاعتراض لا يخالف سياق القصة في القرآن ، لأنها إنما جاءت لتأدية غرض من هذا في السياق.
* * *
ثم يمضي السياق في قصة نوح ؛ يعرض مشهدا ثانيا. مشهد نوح يتلقى وحي ربه وأمره :
(وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ. فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ، وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا ، وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ، إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) ..
فقد انتهى الإنذار ، وانتهت الدعوة ، وانتهى الجدل!
(وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) ..
فالقلوب المستعدة للإيمان قد آمنت ، أما البقية فليس فيها استعداد ولا اتجاه. هكذا أوحى الله إلى نوح ، وهو أعلم بعباده ، وأعلم بالممكن والممتنع ، فلم يبق مجال للمضي في دعوة لا تفيد. ولا عليك مما كانوا يفعلونه من كفر وتكذيب وتحد واستهزاء :
(فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ) ..
أي لا تحس بالبؤس والقلق ، ولا تحفل ولا تهتم بهذا الذي كان منهم ، لا على نفسك فما هم بضاريك بشيء ، ولا عليهم فإنهم لا خير فيهم.
دع أمرهم فقد انتهى ..
(وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا) ..
برعايتنا وتعليمنا.
(وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ، إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) ..
فقد تقرر مصيرهم وانتهى الأمر فيهم. فلا تخاطبني فيهم .. لا دعاء بهدايتهم ، ولا دعاء عليهم ـ وقد ورد في موضع آخر أنه حين يئس منهم دعا عليهم ، والمفهوم أن اليأس كان بعد هذا الوحي ـ فمتى انتهى القضاء امتنع الدعاء ..
* * *
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
