وهم يحذرون أن ينكشف أمرهم ويعرف مخبؤهم. فيأخذهم أصحاب السلطان في المدينة فيقتلوهم رجما ـ بوصفهم خارجين على الدين لأنهم يعبدون إلها واحدا في المدينة المشركة! ـ أو يفتنوهم عن عقيدتهم بالتعذيب. وهذه هي التي يتقونها. لذلك يوصون الرسول أن يكون حذرا لبقا : (وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً. إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً) .. فما يفلح من يرتد عن الإيمان إلى الشرك ، وإنها للخسارة الكبرى.
وهكذا نشهد الفتية يتناجون فيما بينهم ، حذرين خائفين ، لا يدرون أن الأعوام قد كرت ، وأن عجلة الزمن قد دارت ، وأن أجيالا قد تعاقبت ، وأن مدينتهم التي يعرفونها قد تغيرت معالمها ، وأن المتسلطين الذين يخشونهم على عقيدتهم قد دالت دولتهم ، وأن قصة الفتية الذين فروا بدينهم في عهد الملك الظالم قد تناقلها الخلف عن السلف ؛ وأن الأقاويل حولهم متعارضة ؛ حول عقيدتهم ، وحول الفترة التي مضت منذ اختفائهم.
وهنا يسدل الستار على مشهدهم في الكهف ليرفع على مشهد آخر. وبين المشهدين فجوة متروكة في السياق القرآني.
ونفهم أن أهل المدينة اليوم مؤمنون ، فهم شديد والحفاوة بالفتية المؤمنين بعد أن انكشف أمرهم بذهاب أحدهم لشراء الطعام ، وعرف الناس أنه أحد الفتية الذين فروا بدينهم منذ عهد بعيد.
ولنا أن نتصور ضخامة المفاجأة التي اعترت الفتية ـ بعد أن أيقن زميلهم أن المدينة قد مضى عليها العهد الطويل منذ أن فارقوها ؛ وأن الدنيا قد تبدلت من حولهم فلم يعد لشيء مما ينكرونه ولا لشيء مما يعرفونه وجود! وأنهم من جيل قديم مضت عليه القرون. وأنهم أعجوبة في نظر الناس وحسهم ، فلن يمكن أن يعاملوهم كبشر عاديين. وأن كل ما يربطهم بجيلهم من قرابات ومعاملات ومشاعر وعادات وتقاليد .. كله قد تقطع ، فهم أشبه بالذكرى الحية منهم بالأشخاص الواقعية .. فيرحمهمالله من هذا كله فيتوفاهم.
لنا أن نتصور هذا كله. أما السياق القرآني فيعرض المشهد الأخير ، مشهد وفاتهم ، والناس خارج الكهف يتنازعون في شأنهم : على أي دين كانوا ، وكيف يخلدونهم ويحفظون ذكراهم للأجيال. ويعهد مباشرة إلى العبرة المستقاة من هذا الحادث العجيب :
(وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ ، وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها. إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ، فَقالُوا : ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ. قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ : لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).
إن العبرة في خاتمة هؤلاء الفتية هي دلالتها على البعث بمثل واقعي قريب محسوس. يقرب إلى الناس قضية البعث. فيعلموا أن وعد الله بالبعث حق ، وأن الساعة لا ريب فيها .. وعلى هذا النحو بعث الله الفتية من نومتهم وأعثر قومهم عليهم.
وقال بعض الناس : (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً) لا يحدد عقيدتهم (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) وبما كانوا عليه من عقيدة. وقال أصحاب السلطان في ذلك الأوان : (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) والمقصود معبد ، على طريقة اليهود والنصارى في اتخاذ المعابد على مقابر الأنبياء والقديسين. وكما يصنع اليوم من يقلدونهم من المسلمين مخالفين لهدى الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ «لعن الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» (١).
ويسدل الستار على هذا المشهد. ثم يرفع لنسمع الجدل حول أصحاب الكهف ـ على عادة الناس يتناقلون
__________________
(١) أورده ابن كثير في التفسير.
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
