ونبدأ بقصة نوح مع قومه. أول هذا القصص في السياق. وأوله في التاريخ :
* * *
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ. إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) ..
إنها تكاد تكون الألفاظ ذاتها التي أرسل بها محمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ والتي تضمنها الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. وهذه المقاربة في ألفاظ التعبير عن المعنى الرئيسي الواحد مقصودة في السياق لتقرير وحدة الرسالة ووحدة العقيدة ، حتى لتتوحد ألفاظ التعبير عن معانيها. وذلك مع تقدير أن المحكي هنا هو معنى ما قاله نوح ـ عليهالسلام ـ لا ألفاظه. وهو الأرجح. فنحن لا ندري بأية لغة كان نوح يعبر.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ : إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) ..
ولم يقل قال : إني .. لأن التعبير القرآني يحيي المشهد فكأنما هو واقعة حاضرة لا حكاية ماضية. وكأنما هو يقول لهم الآن ونحن نشهد ونسمع. هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى أنه يلخص وظيفة الرسالة كلها ويترجمها إلى حقيقة واحدة :
(إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) ..
وهو أقوى في تحديد هدف الرسالة وإبرازه في وجدان السامعين.
ومرة أخرى يبلور مضمون الرسالة في حقيقة جديدة :
(أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ) ..
فهذا هو قوام الرسالة ، وقوام الإنذار. ولما ذا؟
(إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) ..
فيتم الإبلاغ ويتم الإنذار ، في هذه الكلمات القصار ..
واليوم ليس أليما. إنما هو مؤلم. والأليم ـ اسم مفعول أصله : مألوم! ـ إنما هم المألومون في ذلك اليوم. ولكن التعبير يختار هذه الصيغة هنا ، لتصوير اليوم ذاته بأنه محمل بالألم ، شاعر به ، فما بال من فيه؟
(فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ : ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا ، وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ ، وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ ، بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ) ..
ذلك رد العلية المتكبرين .. الملأ .. كبار القوم المتصدرين .. وهو يكاد يكون رد الملأ من قريش : ما نراك إلا بشرا مثلنا ، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ـ بادي الرأي ـ وما نرى لكم علينا من فضل ، بل نظنكم كاذبين.
الشبهات ذاتها ، والاتهامات ذاتها ، والكبرياء ذاتها ، والاستقبال الغبي الجاهل المتعافي!
إنها الشبهة التي وقرت في نفوس جهال البشر : أن الجنس البشري أصغر من حمل رسالة الله ؛ فإن تكن رسالة فليحملها ملك أو مخلوق آخر. وهي شبهة جاهلة ، مصدرها عدم الثقة بهذا المخلوق الذي استخلفه الله في أرضه ، وهي وظيفة خطيرة ضخمة ، لا بد أن يكون الخالق قد أودع في هذا الإنسان ما يكافئها من الاستعداد والطاقة ، وأودع في جنسه القدرة على أن يكون من بينه أفراد مهيأون لحمل الرسالة ، باختيار الله لهم ، وهو أعلم بما أودع في كيانهم الخاص من خصائص هذا الجنس في عمومه.
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
