يغشوا وأن يخدعوا وأن يغروا الناس بالفساد ، فيتم لهم الحصول على ما يبغونه من الاستئثار بخيرات الأرض ، والكسب الحرام ، والمتاع المرذول ، والكبرياء في الأرض ، وتعبيد الناس بلا مقاومة ولا استنكار.
إن منهج الإيمان ضمانة للحياة وضمانة للأحياء من أثرة الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ، واستئثارهم بخيرات هذه الحياة.
(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ).
وهذه نعمة شاملة للبشر في كل رسالة. فلكي يتمكن الرسول من إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ، لم يكن بد من أن يرسل بلغتهم ، ليبين لهم وليفهموا عنه ، فتتم الغاية من الرسالة.
وقد أرسل النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بلسان قومه ـ وإن كان رسولا إلى الناس كافة ـ لأن قومه هم الذين سيحملون رسالته إلى كافة البشر. وعمره ـ صلىاللهعليهوسلم ـ محدود. وقد أمر ليدعو قومه أولا حتى تخلص الجزيرة العربية للإسلام. ومن ثم تكون مهدا يخرج منه حملة رسالة محمد إلى سائر بقاع الأرض. والذي حدث بالفعل ـ وهو من تقدير الله العليم الخبير ـ أن اختير الرسول إلى جوار ربه عند انتهاء الإسلام إلى آخر حدود الجزيرة ، وبعث جيش أسامة إلى أطراف الجزيرة ، الذي توفي الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ولم يتحرك بعد .. وحقيقة إن الرسول قد بعث برسائله إلى خارج الجزيرة يدعو إلى الإسلام ، تصديقا لرسالته إلى الناس كافة. ولكن الذي قدره الله له ، والذي يتفق مع طبيعة العمر البشري المحدود ، أن يبلغ الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قومه بلسانهم ، وأن تتم رسالته إلى البشر كافة عن طريق حملة هذه الرسالة إلى الأصقاع .. وقد كان .. فلا تعارض بين رسالته للناس كافة ، ورسالته بلسان قومه ، في تقدير الله ، وفي واقع الحياة.
(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) .. (فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) ..
إذ تنتهي مهمة الرسول ـ كل رسول ـ عند البيان. أما ما يترتب عليه من هدى ومن ضلال ، فلا قدرة له عليه ، وليس خاضعا لرغبته ، إنما هو من شأن الله. وضع له سنة ارتضتها مشيئته المطلقة. فمن سار على درب الضلال ضل ، ومن سار على درب الهدى وصل .. هذا وذلك يتبع مشيئة الله ، التي شرعت سنته في الحياة.
(وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ..
القادر على تصريف الناس والحياة ، يصرفهم بحكمة وتقدير فليست الأمور متروكة جزافا بلا توجيه ولا تدبير.
* * *
وكذلك كانت رسالة موسى. بلسان قومه.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا : أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ، وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ. وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ : اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ ، وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ، وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ. وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ. وَقالَ مُوسى : إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) ..
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
