بسم الله الرّحمن الرّحيم
يتألف هذا الجزء من بقية سورة يوسف المكية ، ومن سورتي الرعد وإبراهيم المكيتين أيضا. فهو جزء كامل من القرآن المكي ؛ بكل خصائص القرآن المكي (١).
فأما سورتا الرعد وإبراهيم فسنعرّف بهما ـ إن شاء الله ـ في موضعهما. وأما بقية سورة يوسف ، فنرجو أن يراجع قبل قراءتها في هذا الجزء ما سبق من التعريف بالسورة في الجزء الماضي.
إننا نستقبل في هذا الجزء بقية قصة يوسف ، والتعقيبات المباشرة عليها ؛ ثم التعقيبات الأخيرة في السورة .. وكذلك نستقبل فيه مرحلة جديدة من مراحل حياة الشخصية الأساسية في القصة ـ شخصية يوسف عليهالسلام ـ ومع امتداد هذه الشخصية واستقامتها على المقوّمات الأساسية لها ـ تلك التي مر ذكرها في التعريف بشخصيات القصة في التقديم للسورة (٢) ، فإننا نجد في هذه المرحلة الجديدة ملامح جديدة تبرز ـ هي امتداد طبيعي واقعي لنشأة الشخصية وللمرحلة السابقة من حياتها ولكنها مع ذلك ذات طابع مميز ..
نجد شخصية يوسف ـ عليهالسلام ـ وقد استقامت مع نشأتها والأحداث التي مرت بها ، والابتلاءات التي اجتازتها ، في ظل التربية الربانية للعبد الصالح ، الذي يعد ليمكن له في الأرض ، وليقوم بالدعوة إلى دين الله وهو ممكن له في الأرض ، وهو قابض على مقاليد الأمور في مركز التموين في الشرق الأوسط!
وأول ملامح هذه المرحلة هذا الاعتزاز بالله ، والاطمئنان إليه ، والثقة به ، والتجرد له ، والتعري من كل قيم الأرض ، والتحرر من كل أوهاقها ، واستصغار شأن القوى المتحكمة فيها ، وهو ان تلك القيم وهذه القوى في النفس الموصولة الأسباب بالله ـ سبحانه وتعالى!
تبدو هذه الظاهرة الواضحة في موقف يوسف ، ورسول الملك يجيء إليه في سجنه يبلغه رغبة الملك في أن يراه .. فلا يخف يوسف ـ عليهالسلام ـ لطلب الملك ؛ ولا يتلهف على مغادرة سجنه الظالم المظلم إلى رحاب الملك الذي يرغب في لقائه ؛ ولا تستخفه الفرحة بالخروج من هذا الضيق.
ولا تتجلى هذه الظاهرة ـ وما وراءها من التغيرات العميقة في الموازين والقيم والمشاعر في نفس يوسف
__________________
(١) تراجع مقدمة سورة الأنعام في الجزء السابع ، ومقدمة سورة يونس في الجزء الحادي عشر ، ومقدمة سورة هود في الجزء الثاني عشر.
(٢) ص ١٩٥١ ـ ١٩٦٣ من الجزء الثاني عشر من هذه الطبعة المنقحة. «دار الشروق».
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
