إرواء هواتفها الأنثوية أمرا يعاب أصلا! ومع صدق التصوير والتعبير عن هذا النموذج البشري الخاص بكل واقعيته ، وعن هذه اللحظة الخاصة بكل طبيعيتها ، فإن الأداء القرآني ـ الذي ينبغي أن يكون هو النموذج الأعلى للأداء الفني الإسلامي ـ لم يتخل عن طابعه النظيف مرة واحدة ـ حتى وهو يصور لحظة التعري النفسي والجسدي الكامل بكل اندفاعها وحيوانيتها ـ لينشىء ذلك المستنقع الكريه الذي يتمرغ في وحله كتاب «القصة الواقعية» وكتاب «القصة الطبيعية» في هذه الجاهلية النكدة بحجة الكمال الفني في الأداء!
«وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته : أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا. وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ، ولنعلمه من تأويل الأحاديث ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما ، وكذلك نجزي المحسنين. وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ، وغلّقت الأبواب وقالت : هيت لك! قال : معاذ الله! إنه ربي أحسن مثواي ، إنه لا يفلح الظالمون. ولقد همّت به وهم بها ، لو لا أن رأى برهان ربه. كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ، إنه من عبادنا المخلصين. واستبقا الباب ، وقدّت قميصه من دبر ، وألفيا سيدها لدى الباب ، قالت : ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم؟! قال : هي راودتني عن نفسي ، وشهد شاهد من أهلها : إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبين. وإن كان قميصه قدّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين. فلما رأى قميصه قدّ من دبر قال : إنه من كيدكن ، إن كيدكن عظيم! يوسف أعرض عن هذا ، واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين! .. وقال نسوة في المدينة : امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه! قد شغفها حبا! إنا لنراها في ضلال مبين! فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن ، وأعتدت لهن متكأ ، وآتت كل واحدة منهن سكينا ، وقالت : اخرج عليهن! فلما رأينه أكبرنه ، وقطّعن أيديهن ، وقلن : حاش لله! ما هذا بشرا ، إن هذا إلا ملك كريم. قالت : فذلكن الذي لمتنني فيه! ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين. قال : رب ، السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين. فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ، إنه هو السميع العليم» ..
وكذلك حين نلتقي بها مرة أخرى بعد ما دخل يوسف السجن بسبب كيدها وكيد النسوة ؛ وبقي هناك حتى رأى الملك رؤياه ، وتذكر الفتى الذي كان سجينا معه أن يوسف هو وحده الذي يعرف تأويل الرؤيا ، فطلب الملك أن يأتوه به ، فأبى حتى يحقق قضيته ، ويبرىء ساحته ، فاستدعاها الملك مع النسوة. وإذا بها ما تزال المرأة المحبة ، مع التغير الطبيعي الواقعي الذي يحدثه الزمن والعمر والأحداث والظروف ؛ ومع تسرب الإيمان الذي تعرفه من يوسف من خلال تلك المشاعر والمؤثرات جميعا :
«وقال الملك : ائتوني به. فلما جاءه الرسول قال : ارجع إلى ربك فاسأله : ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟ إن ربي بكيدهن عليم. قال : ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن : حاش لله! ما علمنا عليه من سوء. قالت امرأة العزيز : الآن حصحص الحق ، أنا راودته عن نفسه ، وإنه لمن الصادقين. ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. وما أبرىء نفسي ، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ، إن ربي غفور رحيم» ..
* ويوسف .. العبد الصالح ـ الإنسان ـ لم يزوّر الأداء القرآني في شخصيته الإنسانية لمحة واحدة ؛ وهو يواجه الفتنة بكل بشريته ـ مع نشأته في بيت النبوة وتربيته ودينه ـ وبشريته مع نشأته وتربيته ودينه تمثل بمجموعها واقعيته بكل جوانبها .. لقد ضعف حين همت به حتى هم بها ؛ ولكن الخيط الآخر شده وأنقذه
![في ظلال القرآن [ ج ٤ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3884_fi-zilal-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
