فإن أعرضتم عني وابتعدتم ، فأنتم وشأنكم ، فما كنت أسألكم أجرا على الهداية ، فينقص أجري بتوليكم :
(إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ) ..
ولن يزحزحني هذا عن عقيدتي ، فقد أمرت أن أسلم نفسي كلها لله :
(وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ..
وأنا عند ما أمرت به .. من المسلمين ..
فماذا كان؟
(فَكَذَّبُوهُ. فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ. وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) ..
هكذا باختصار. نجاته هو ومن معه في الفلك ـ وهم المؤمنون. واستخلافهم في الأرض على قلتهم. وإغراق المكذبين على قوتهم وكثرتهم :
(فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) ..
لينظر من ينظر (عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) المكذبين وليتعظ من يتعظ بعاقبة المؤمنين الناجين.
ويعجل السياق بإعلان نجاة نوح ومن معه ، لأن نوحا والقلة المؤمنة كانوا يواجهون خطر التحدي للكثرة الكافرة. فلم تكن النتيجة مجرد هلاك هذه الكثرة ، بل كان قبلها نجاة القلة من جميع الأخطار ؛ واستخلافها في الأرض ، تعيد تعميرها وتجديد الحياة فيها ، وتأدية الدور الرئيسي فترة من الزمان.
هذه سنة الله في الأرض. وهذا وعده لأوليائه فيها .. فإذا طال الطريق على العصبة المؤمنة مرة ، فيجب أن تعلم أن هذا هو الطريق ، وأن تستيقن أن العاقبة والاستخلاف للمؤمنين ، وألا تستعجل وعد الله حتى يجيء وهي ماضية في الطريق .. والله لا يخدع أولياءه ـ سبحانه ـ ولا يعجز عن نصرهم بقوته ، ولا يسلمهم كذلك لأعدائه .. ولكنه يعلمهم ويدربهم ويزودهم ـ في الابتلاء ـ بزاد الطريق (١) ..
* * *
وفي اختصار وإجمال يشير السياق إلى الرسل بعد نوح ، وما جاءوا به من البينات والخوارق وكيف تلقاها المكذبون الضالون :
(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ، فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ، كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) ..
فهؤلاء الرسل جاءوا قومهم بالبينات. والنص يقول : إنهم ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل .. وهذا يحتمل أنهم بعد مجيء الآيات ظلوا يكذبون كما كانوا قبلها يكذبون. فلم تحولهم الآيات عن عنادهم. كما يحتمل أن المكذبين جماعة واحدة على اختلاف أجيالهم ، لأنهم ذوو طبيعة واحدة. فهؤلاء ما كان يمكن أن يؤمنوا بما كذب به أسلاف لهم ، أو بما كذبوا هم به في أشخاص هؤلاء الأسلاف! فهم منهم ، طبيعتهم واحدة ، وموقفهم تجاه البينات واحد. لا يفتحون لها قلوبهم ، ولا يتدبرونها بعقولهم. وهم معتدون متجاوزون
__________________
(١) يراجع فصل : «هذا هو الطريق» في كتاب : «معالم في الطريق». «دار الشروق».
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
