وأنا أنهاكم عن ثانية الجريمتين ، وهي التكذيب بآيات الله ، فلا أرتكب أولاهما ولا أكذب على الله :
(إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) ..
ويستمر السياق يعرض ما فعلوه وما قالوه بعد استخلافهم في الأرض. غير هذا الهزل في طلب قرآن جديد ..
(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ، وَيَقُولُونَ : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ ، قُلْ : أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ؟ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
والنفس حين تنحرف لا تقف عند حد من السخف. وهذه الأرباب المتعددة التي يعبدونها لا تملك لهم ضررا ولا نفعا ، ولكنهم يظنونها تشفع لهم عند الله :
(وَيَقُولُونَ : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ) ..
(قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ؟) ..
فالله سبحانه لا يعلم أن هناك من يشفع عنده مما تزعمون! فهل تعلمون أنتم مالا يعلمه الله وتنبئونه بما لا يعلم له وجودا في السماوات ولا في الأرض؟!
إنه أسلوب ساخر يليق بهذا السخف الذي يلجون فيه. يعقبه التنزيه لله عما لا يليق بجلاله مما يدعون :
(سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
وقبل أن يمضي في عرض ما قالوه وما فعلوه ، يعقب على هذا الشرك ، بأنه عارض. والفطرة في أصلها كانت على التوحيد ، ثم جد الخلاف بعد حين :
(وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا) ..
وقد اقتضت مشيئة الله أن يمهلهم جميعا إلى أجل يستوفونه ، وسبقت كلمته بذلك فنفذت لحكمة يريدها :
(وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).
وبعد هذا التعقيب يمضي في الاستعراض لما يقول المستخلفون :
(وَيَقُولُونَ : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ! فَقُلْ : إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ ، فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) ..
فكل الآيات التي يحتويها هذا الكتاب العظيم المعجز لا تكفيهم. وكل آيات الله المبثوثة في تضاعيف الكون لا تكفيهم. وهم يقترحون خارقة كخوارق الرسل في الأمم قبلهم. غير مدركين طبيعة الرسالة المحمدية. وطبيعة معجزتها. فهي ليست معجزة وقتية تنتهي بمشاهدة جيل ، إنما هي المعجزة الدائمة التي تخاطب القلب والعقل في جيل بعد جيل.
ويوجه الله رسوله أن يحيلهم على الله الذي يعلم ما في غيبه ، ويقدر إن كان سيبرز لهم خارقة أو لا يبرز :
(فَقُلْ : إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ. فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) ..
وهو جواب في طيه الإمهال وفي طيه التهديد .. وفي طيه بعد ذلك بيان حدود العبودية في جانب الألوهية. فإن محمدا ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو أعظم الأنبياء المرسلين ، لا يملك من أمر الغيب شيئا ، فالغيب كله لله. ولا يملك من أمر الناس شيئا ، فأمرهم موكول إلى الله .. وهكذا يتحدد مقام العبودية في جانب مقام الألوهية ، ويخط خط بارز فاصل بين الحقيقتين لا شبهة بعده ولا ريبة ..
* * *
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
