والمكان. لذلك نجزم بأن «ثم» هنا للبعد المعنوي ، ونحن آمنون من أننا لم نتجاوز المنطقة المأمونة التي يحق فيها للعقل البشري أن يحكم ويجزم. لأننا نستند إلى قاعدة كلية في تنزيه الله سبحانه عن تعاقب الهيئات والحالات ، وعن مقتضيات الزمان والمكان.
(يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) ..
ويقدر أوائله وأواخره ، وينسق أحواله ومقتضياته ، ويرتب مقدماته ونتائجه ، ويختار الناموس الذي يحكم خطواته وأطواره ومصائره.
(ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) ..
فالأمر كله له ، والحكم كله إليه. وما من شفعاء يقربون إلى الله زلفى. وما من شفيع من خلقه إلا حيث يأذن له بالشفاعة ، وفقا لتدبيره وتقديره ، واستحقاق الشفاعة بالإيمان والعمل الصالح ، لا بمجرد التوسل بالشفعاء .. وهذا يواجه ما كانوا يعتقدونه من أن للملائكة التي يعبدون تماثيلها شفاعة لا ترد عند الله!
ذلكم الله الخالق المدبر الحاكم الذي لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه .. (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ) .. الخليق بالربوبية (فَاعْبُدُوهُ) فهو الذي يستحق الدينونة له دون سواه .. (أَفَلا تَذَكَّرُونَ)؟ .. فالأمز من الثبوت والوضوح بحيث لا يحتاج إلا لمجرد التذكر لهذه الحقيقة المعروفة ..
ونقف لحظة أمام قوله تعالى بعد عرض دلائل الألوهية في السماوات والأرض :
(ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) ..
وقد قلنا : إن قضية الألوهية لم تكن محل إنكار جدي من المشركين ، فقد كانوا يعترفون بأن الله ـ سبحانه ـ هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر المتصرف القادر على كل شيء .. ولكن هذا الاعتراف لم تكن تتبعه مقتضياته. فلقد كان من مقتضى هذا الاعتراف بألوهية الله على هذا المستوي أن تكون الربوبية له وحده في حياتهم .. والربوبية تتمثل في الدينونة له وحده ؛ فلا يتقدمون بالشعائر التعبدية إلا له ؛ ولا يحكمون في أمرهم كله غيره .. وهذا معنى قوله تعالى :
(ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) ..
فالعبادة هي العبودية ، وهي الدينونة ، وهي الاتباع والطاعة ، مع إفراد الله سبحانه بهذه الخصائص كلها ، لأنها من مقتضيات الاعتراف بالألوهية.
وفي الجاهليات كلها ينحسر مجال الألوهية. ويظن الناس أن الاعتراف بالألوهية في ذاته هو الإيمان ؛ وأنه متى اعترف الناس بأن الله إلههم فقد بلغوا الغاية ؛ دون أن يرتبوا على الألوهية مقتضاها وهو الربوبية .. أي الدينونة لله وحده ليكون هو ربهم الذي لا رب غيره ، وحاكمهم الذي لا سلطان لأحد إلا بسلطانه ..
كذلك ينحسر معنى «العبادة» في الجاهلية ، حتى يقتصر على مجرد تقديم الشعائر. ويحسب الناس أنهم متى قدموا الشعائر لله وحده ، فقد عبدوا الله وحده .. بينما كلمة العبادة ابتداء مشتقة من عبد. و «عبد» تفيد ابتداء «دان وخضع». وما الشعائر إلا مظهر واحد من مظاهر الدينونة والخضوع لا يستغرق كل حقيقة الدينونة ولا كل مظاهرها.
والجاهلية ليست فترة من الزمان ، ولا مرحلة من المراحل. إنما هي انحسار معنى الألوهية على هذا النحو ، ومعنى العبادة. هذا الانحسار الذي يؤدي بالناس إلى الشرك وهم يحسبون أنهم في دين الله! كما هو الحال
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
