فأما في الأناجيل التي بين أيدي النصارى اليوم فلا ذكر ولا إشارة إلى جهاد .. ولكننا في حاجة شديدة إلى تعديل المفهومات السائدة عن طبيعة النصرانية ؛ فهذه المفهومات إنما جاءت من هذه الأناجيل التي لا أصل لها ـ بشهادة الباحثين النصارى أنفسهم! ـ وقبل ذلك بشهادة الله سبحانه كما وردت في كتابه المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
والله سبحانه يقول في كتابه المحفوظ : إن وعده بالجنة لمن يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ؛ ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن .. فهذا إذن هو القول الفصل الذي ليس بعده لقائل مقال!
إن الجهاد في سبيل الله بيعة معقودة بعنق كل مؤمن. كل مؤمن على الإطلاق. منذ كانت الرسل ، ومنذ كان دين الله ..
ولكن الجهاد في سبيل الله ليس مجرد اندفاعة إلى القتال ؛ إنما هو قمة تقوم على قاعدة من الإيمان المتمثل في مشاعر وشعائر وأخلاق وأعمال : والمؤمنون الذين عقد الله معهم البيعة ، والذين تتمثل فيهم حقيقة الإيمان هم قوم تتمثل فيهم صفات إيمانية أصيلة :
(التَّائِبُونَ. الْعابِدُونَ. الْحامِدُونَ. السَّائِحُونَ. الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ. الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ) ..
(التَّائِبُونَ) .. مما أسلفوا ، العائدون إلى الله مستغفرين. والتوبة شعور بالندم على ما مضى ، وتوجه إلى الله فيما بقي ، وكف عن الذنب ، وعمل صالح يحقق التوبة بالفعل كما يحققها بالترك. فهي طهارة وزكاة وتوجه وصلاح.
(الْعابِدُونَ) .. المتوجهون إلى الله وحده بالعبادة وبالعبودية ، إقرارا بالربوبية .. صفة هذه ثابتة في نفوسهم تترجمها الشعائر ، كما يترجمها التوجه إلى الله وحده بكل عمل وبكل قول وبكل طاعة وبكل اتباع. فهي إقرار بالألوهية والربوبية لله في صورة عملية واقعية.
(الْحامِدُونَ) .. الذين تنطوي قلوبهم على الاعتراف للمنعم بالنعمة ؛ وتلهج ألسنتهم بحمد الله في السراء والضراء. في السراء للشكر على ظاهر النعمة ، وفي الضراء للشعور بما في الابتلاء من الرحمة. وليس الحمد هو الحمد في السراء وحدها ، ولكنه الحمد في الضراء حين يدرك القلب المؤمن أن الله الرحيم العادل ما كان ليبتلي المؤمن إلا لخير يعلمه ، مهما خفي على العباد إدراكه.
(السَّائِحُونَ) .. وتختلف الروايات فيهم. فمنها ما يقول : إنهم المهاجرون. ومنها ما يقول : إنهم المجاهدون. ومنها ما يقول : إنهم المتنقلون في طلب العلم. ومنهم من يقول : إنهم الصائمون .. ونحن نميل إلى اعتبارهم المتفكرين في خلق الله وسننه ، ممن قيل في أمثالهم في موضع آخر : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ! ...) .. فهذه الصفة أليق هنا بالجو بعد التوبة والعبادة والحمد. فمع التوبة والعبادة والحمد يكون التدبر في ملكوت الله على هذا النحو الذي ينتهي بالإنابة إلى الله ، وإدراك حكمته في خلقه ، وإدراك الحق الذي يقوم عليه الخلق. لا للاكتفاء بهذا الإدراك وإنفاق العمر في مجرد التأمل والاعتبار. ولكن لبناء الحياة وعمرانها بعد ذلك على أساس هذا الإدراك ..
(الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ) .. الذين يقيمون الصلاة ويقومون بالصلاة كأنها صفة ثابتة من صفاتهم ؛ وكأن الركوع والسجود طابع مميز بين الناس لهم.
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
