وبعد موقف الإشهاد ورفض ما يقررونه من المحرمات ، يلقي إليهم بالمقررات الإلهية التي تتضمن ما حرمه الله حقا .. وسنجد إلى جانب ما حرمه بعض التكاليف الإيجابية التي لها مقابل محرم. وهذه المحرمات تبدأ بالمحرم الأول .. وهو الشرك بالله .. لأن هذه هي القاعدة الأولى التي يجب أن تتقرر ، لتقوم عليها المحرمات والنواهي ، لمن استسلم لها وأسلم :
(قُلْ : تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ : أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً. وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ ، نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ. وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ. وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ .. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .. وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ـ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ـ وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ـ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ـ وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا .. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ .. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ..).
وننظر في هذه الوصايا ـ التي ترد في السياق بمناسبة الحديث عن تشريعات الأنعام والثمار وأوهام الجاهلية وتصوراتها وتصرفاتها ـ فإذا هي قوام هذا الدين كله .. إنها قوام حياة الضمير بالتوحيد ، وقوام حياة الأسرة بأجيالها المتتابعة ، وقوام حياة المجتمع بالتكافل والطهارة فيما يجري فيه من معاملات ، وقوام حياة الإنسانية وما يحوط الحقوق فيها من ضمانات ، مرتبطة بعهد الله ، كما أنها بدئت بتوحيد الله ..
وننظر في ختام هذه الوصايا ، فإذا الله ـ سبحانه وتعالى ـ يقرر أن هذا صراطه المستقيم ؛ وكل ما عداه سبل تتفرق بالناس عن سبيله الواصل .. الوحيد ..
إنه أمر هائل هذا الذي تتضمنه الآيات الثلاث .. أمر هائل يجيء في أعقاب قضية تبدو كأنها لمحة جانبية من الجاهلية ؛ ولكنها في الحقيقة هي قضية هذا الدين الأساسية ؛ بدلالة ربطها بهذه الوصايا الهائلة الكلية .. (قُلْ : تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) ..
قل : تعالوا أقص عليكم ما حرمه عليكم ربكم ـ لا ما تدعون أنتم أنه حرمه بزعمكم ـ! لقد حرمه عليكم «ربكم» الذي له وحده حق الربوبية ـ وهي القوامة والتربية والتوجيه والحاكمية ـ وإذن فهو اختصاصه ، وموضع سلطانه. فالذي يحرم هو «الرب» والله هو وحده الذي يجب أن يكون ربا ..
(أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) ..
القاعدة التي يقوم عليها بناء العقيدة ؛ وترجع إليها التكاليف والفرائض ، وتستمد منها الحقوق والواجبات .. القاعدة التي يجب أن تقوم أولا قبل الدخول في الأوامر والنواهي ؛ وقبل الدخول في التكاليف والفرائض ، وقبل الدخول في النظام والأوضاع ؛ وقبل الدخول في الشرائع والأحكام .. يجب ابتداء أن يعترف الناس بربوبية الله وحده لهم في حياتهم كما يعترفون بألوهيته وحده في عقيدتهم ؛ لا يشركون معه أحدا في ألوهيته ، ولا يشركون معه أحدا في ربوبيته كذلك. يعترفون له وحده بأنه المتصرف في شؤون هذا الكون في عالم الأسباب والأقدار ؛ ويعترفون له وحده بأنه المتصرف في حسابهم وجزائهم يوم الدين ؛ ويعترفون له وحده بأنه هو المتصرف في شؤون العباد في عالم الحكم والشريعة كلها سواء ..
إنها تنقية الضمير من أوشاب الشرك ، وتنقية العقل من أوشاب الخرافة ، وتنقية المجتمع من تقاليد الجاهلية ، وتنقية الحياة من عبودية العباد للعباد ..
إن الشرك ـ في كل صوره ـ هو المحرم الأول لأنه يجر إلى كل محرم. وهو المنكر الأول الذي يجب حشد
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
