«كذلك يدل ذلك الحشد على مدى الأهمية التي ينوطها هذا الدين بتخليص مظهر الحياة كله من ظلال حاكمية البشر في أي شأن من شؤون البشر ـ جل أم حقر ، كبر أم صغر ـ وربط أي شأن من هذه الشؤون بالأصل الكبير الذي يتمثل فيه هذا الدين .. وهو حاكمية الله المطلقة التي تتمثل فيها ألوهيته في الأرض ، كما تتمثل ألوهيته في الكون كله بتصريف أمر هذا الكون كله بلا شريك (١) ..
* * *
هذه المناسبة التي كانت حاضرة في حياة الأمة المسلمة ـ والجاهلية من حولها ـ والتي عالجها سياق السورة على هذا النحو الذي سبقت الاشارة إليه في هذه المقتطفات .. هي هي موضوع بقية السورة التي سنعالجها في هذا الجزء. بعد ما مضى الشطر الأول من السورة في عرض قضية الألوهية والعبودية في محيطها الشامل ؛ وانتهى السياق إلى مواجهة هذه المناسبة الواقعية ، فربط بينها وبين القضية الكبرى ، ذلك الربط القوي المباشر.
إن السياق القرآني يحشد ـ لمواجهة تلك التقاليد الجاهلية في تحريم بعض المطاعم وتحليل بعضها ؛ وفي النذور من الثمار والأنعام والأولاد ـ حشدا ضخما من المؤثرات والتقريرات ؛ ويربطها بجملة من الحقائق والقواعد ، هي حقائق هذا الدين وقواعده الأساسية ؛ ويقدم لها ويعقب عليها تقدمات ضخمة وتعقيبات هائلة ؛ مما يدل على الأهمية البالغة التي ينوطها هذا الدين ، بتخليص الحياة كلها من قبضة الجاهلية ؛ وردها بجملتها إلى الإسلام .. أي إلى سلطان الله وحده ..
وهكذا يبدأ السياق بتقدمة لهذه القضية عن إحاطة مشيئة الله بالعباد جميعا : جنهم وإنسهم. وجريان الأحداث في هذه العوالم بمشيئته وقدره ؛ واستدراجه لأعداء الرسل من شياطين الإنس والجن ؛ وإمهاله لهم ، ليقترفوا ما هم مقترفون ؛ ولو شاء الله لقهرهم على الهدى ولكفهم عن الضلال قهرا أو لهداهم إلى الحق وشرح صدورهم له. أو لكفهم عن أذى الرسل والمؤمنين فلم يصلوا إليهم. فهم لا يعادون الرسل ، ولا يقترفون ما يقترفون ، خروجا على سلطان الله ومشيئته ؛ فهم أعجز من أن يخرجوا على سلطان الله ومشيئته. إنما هي مشيئة الله اقتضت أن يترك لهم الخيار والقدرة على الهدى وعلى الضلال ؛ وهم في قبضته على كل حال : «وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ، ولو شاء ربك ما فعلوه ، فذرهم وما يفترون. ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وليرضوه ، وليقترفوا ما هم مقترفون» ..
فإذا تقرر أن عداء شياطين الإنس والجن للرسل سنة يجري بها قدر الله. وأن هؤلاء الشياطين ، على كل ما يرتكبونه ، هم في قبضة الله. استنكر رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن يبتغي «حكما» غير الله .. هكذا على الإطلاق ، في أي شأن وفي أي أمر .. ذلك أن تحكيم غير الله في شأن هذه المطاعم هو كالتحكيم لغير الله في كل شأن. وهو إقامة ربوبية غير ربوبية الله ينكرها رسول الله .. وأعقب ذلك تقرير أن كلمة ربه قد تمت بهذا الكتاب وبهذه الشريعة فلم يعد هناك قول لقائل ، ولا حكم لبشر. وحذر رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن يطيع البشر في دين الله ؛ فإن أكثرهم لا يتبعون إلا الظن ؛ ولا علم عندهم يستيقن ؛ ومن يطعهم يضلوه. والله وحده هو الذي يعلم الضالين والمهتدين من عباده .. وكان ذلك كله تمهيدا للأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه ان كان المسلمون مؤمنين ، والنهي عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه. وتحذيرهم أن يطيعوا أولياء الشياطين في شيء من التحليل والتحريم. وإلا فهم مثلهم مشركون : وأنهيت الفقرة ببيان عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان ، والدوافع التي تدفع بالكافرين إلى هذا الذي يقترفون : «أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم
__________________
(١) ص ١٠١٧ ـ ١٠١٨ من الجزء السابع.
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
