بالعذاب ، الذي إن تخلف عن بعضهم لمسارعته إلى التوبة وإلى الإيمان الصحيح ، فإنه لن يصرف عن بعضهم الذي ظل على نفاقه واستهزائه بآيات الله ورسوله ، وبعقيدته ودينه :
(بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ).
* * *
وعند ما يصل السياق إلى هذا الحد في استعراض تلك النماذج من أقوال المنافقين وأعمالهم وتصوراتهم ، يعمد إلى تقرير حقيقة المنافقين بصفة عامة ، وعرض الصفات الرئيسية التي تميزهم عن المؤمنين الصادقين ، وتحديد العذاب الذي ينتظرهم أجمعين :
(الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ، وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ. نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ. إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ. وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ؛ هِيَ حَسْبُهُمْ ، وَلَعَنَهُمُ اللهُ ، وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ).
المنافقون والمنافقات من طينة واحدة ، وطبيعة واحدة. المنافقون في كل زمان وفي كل مكان. تختلف أفعالهم وأقوالهم ، ولكنها ترجع إلى طبع واحد ، وتنبع من معين واحد. سوء الطوية ولؤم السريرة ، والغمز والدس ، والضعف عن المواجهة ، والجبن عن المصارحة. تلك سماتهم الأصيلة. أما سلوكهم فهو الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ، والبخل بالمال إلا أن يبذلوه رئاء الناس. وهم حين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف يستخفون بهما ، ويفعلون ذلك دسا وهمسا ، وغمزا ولمزا ، لأنهم لا يجرؤون على الجهر إلا حين يأمنون. إنهم «نسوا الله» فلا يحسبون إلا حساب الناس وحساب المصلحة ، ولا يخشون إلا الأقوياء من الناس يذلون لهم ويدارونهم «فنسيهم» الله فلا وزن لهم ولا اعتبار. وإنهم لكذلك في الدنيا بين الناس ، وإنهم لكذلك في الآخرة عند الله. وما يحسب الناس حسابا إلا للرجال الأقوياء الصرحاء ، الذين يجهرون بآرائهم ، ويقفون خلف عقائدهم ، ويواجهون الدنيا بأفكارهم ، ويحاربون أو يسالمون في وضح النهار. أولئك ينسون الناس ليذكروا إله الناس ، فلا يخشون في الحق لومة لائم ، وأولئك يذكرهم الله فيذكرهم الناس ويحسبون حسابهم.
(إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ) ..
فهم خارجون عن الإيمان ، منحرفون عن الطريق ، وقد وعدهم الله مصيرا كمصير الكفار :
(وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ، هِيَ حَسْبُهُمْ).
وفيها كفايتهم وهي كفاء إجرامهم.
(وَلَعَنَهُمُ اللهُ) ..
فهم مطرودون من رحمته ..
(وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ) ..
* * *
هذه الطبيعة الفاسقة المنحرفة الضالة ، ليست جديدة ، ففي تاريخ البشرية لها نظائر وأمثال. ولقد حوى تاريخ البشرية من قبل هؤلاء نماذج كثيرة من هذا الطراز. ولقد لاقى السابقون مصائر تليق بفسوقهم عن الفطرة المستقيمة والطريق القويمة ، بعد ما استمتعوا بنصيبهم المقدر لهم في هذه الأرض. وكانوا أشد قوة
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
