(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ...) وما يتكل على الله حق الاتكال من لا ينفذ أمر الله ، ومن لا يأخذ بالأسباب ، ومن لا يدرك سنة الله الجارية التي لا تحابي أحدا ، ولا تراعي خاطر إنسان!
على أن المؤمن أمره كله خير. سواء نال النصر أو نال الشهادة. والكافر أمره كله شر سواء أصابه عذاب الله المباشر أو على أيدي المؤمنين :
(قُلْ : هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ، وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا. فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) ..
فماذا يتربص المنافقون بالمؤمنين؟ إنها الحسنى على كل حال. النصر الذي تعلو به كلمة الله ، فهو جزاؤهم في هذه الأرض ، أو الشهادة في سبيل الحق عليا الدرجات عند الله. وماذا يتربص المؤمنون بالمنافقين؟ إنه عذاب الله يأخذهم كما أخذ من قبلهم من المكذبين ؛ أو ببطش المؤمنين بهم كما وقع من قبل للمشركين .. (فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) والعاقبة معروفة .. والعاقبة للمؤمنين.
* * *
ولقد كان بعض هؤلاء المعتذرين المتخلفين المتربصين ، قد عرض ماله ، وهو يعتذر عن الجهاد ، ذلك ليمسك العصا من الوسط على طريقة المنافقين في كل زمان ومكان. فرد الله عليهم مناورتهم ، وكلف رسوله أن يعلن أن إنفاقهم غير مقبول عند الله ، لأنهم إنما ينفقونه عن رياء وخوف ، لا عن إيمان وثقة ، وسواء بذلوه عن رضا منهم بوصفه ذريعة يخدعون بها المسلمين ، أو عن كره خوفا من انكشاف أمرهم ، فهو في الحالتين مردود ، لا ثواب له ولا يحسب لهم عند الله :
(قُلْ : أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ، إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ. وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ ، وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى ، وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ).
إنها صورة المنافقين في كل آن. خوف ومداراة ، وقلب منحرف وضمير مدخول. ومظاهر خالية من الروح ، وتظاهر بغير ما يكنه الضمير.
والتعبير القرآني الدقيق :
(وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى) ..
فهم يأتونها مظهرا بلا حقيقة ، ولا يقيمونها إقامة واستقامة. يأتونها كسالى لأن الباعث عليها لا ينبثق من أعماق الضمير ، إنما يدفعون إليها دفعا ، فيحسون أنهم عليها مسخرون! وكذلك ينفقون ما ينفقون كارهين مكرهين.
وما كان الله ليقبل هذه الحركات الظاهرة التي لا تحدو إليها عقيدة ، ولا يصاحبها شعور دافع. فالباعث هو عمدة العمل والنية هي مقياسه الصحيح.
ولقد كان هؤلاء المنفقون وهم كارهون ذوي مال وذوي أولاد ، وذوي جاه في قومهم وشرف. ولكن هذا كله ليس بشيء عند الله وكذلك يجب ألا يكون شيئا عند الرسول والمؤمنين. فما هي بنعمة يسبغها الله عليهم ليهنأوا بها ، إنما هي الفتنة يسوقها الله إليهم ويعذبهم بها :
(فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ، إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ).
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
