وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ، وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ... (العنكبوت : ٤٦).
(قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ ، وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ ، فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ... (البقرة : ١٣٦ ـ ١٣٧).
(قُلْ : يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ : أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا : اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ... (آل عمران : ٦٤).
(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ، فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ، إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ... (البقرة : ١٠٩).
ثم أتى الله بأمره الذي وكل المؤمنين إليه ؛ فوقعت أحداث ، وتعدلت أحكام ، وجرى المنهج الحركي الواقعي الإيجابي في طريقه حتى كانت هذه الأحكام النهائية الأخيرة ، في هذه السورة ، على النحو الذي رأينا ..
إنه لم يتغير شيء في نظرة هذا الدين إلى حقيقة ما عليه أهل الكتاب من فساد العقيدة ؛ ومن الشرك بالله والكفر بآياته .. إنما الذي تغير هو قاعدة التعامل .. وهذه إنما تحكمها تلك الأصول التي أسلفنا الحديث عنها في مطلع هذا الفصل التمهيدي لهذا المقطع من سياق السورة ، في هذه الفقرات :
«وهذا التعديل الأخير في قواعد التعامل بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب لا يفهم على طبيعته ، إلا بالفقه المستنير لطبيعة العلاقات الحتمية بين منهج الله ومناهج الجاهلية من ناحية. ثم لطبيعة المنهج الحركي الإسلامي ومراحله المتعددة ، ووسائله المتجددة ، المكافئة للواقع البشري المتغير ، من الناحية الأخرى ... إلخ».
* * *
والآن نأخذ في شيء من استعراض طبيعة الموقف بين أهل الكتاب والمجتمع المسلم سواء من الناحية الموضوعية الثابتة ، أو من ناحية المواقف التاريخية الواقعة ... فهذه هي العناصر الرئيسية التي انتهت إلى هذه الأحكام النهائية.
إن طبيعة الموقف بين أهل الكتاب والمجتمع المسلم يجب البحث عنها أولا : في تقريرات الله ـ سبحانه ـ عنها ، باعتبار أن هذه هي الحقيقة النهائية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ؛ وباعتبار أن هذه التقريرات ـ بسبب كونها ربانية ـ لا تتعرض لمثل ما تتعرض له الاستنباطات والاستدلالات البشرية من الأخطاء .. وثانيا : في المواقف التاريخية المصدقة لتقريرات الله سبحانه!
إن الله سبحانه يقرر طبيعة موقف أهل الكتاب من المسلمين في عدة مواضع من كتابه الكريم .. وهو تارة يتحدث عنهم ـ سبحانه ـ وحدهم ، وتارة يتحدث عنهم مع الذين كفروا من المشركين ؛ باعتبار أن هنالك وحدة هدف ـ تجاه الإسلام والمسلمين ـ تجمع الذين كفروا من أهل الكتاب والذين كفروا من المشركين. وتارة يتحدث عن مواقف واقعية لهم تكشف عن وحدة الهدف ووحدة التجمع الحركي لمواجهة الإسلام والمسلمين .. والنصوص التي تقرر هذه الحقائق من الوضوح والجزم بحيث لا تحتاج منا إلى تعليق .. وهذه نماذج منها ..
(ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) ... (البقرة : ١٠٥).
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
