فينفي وجود الله جملة ويتنكر للدين علانية. إنما يلجأ إلى نفس الأسلوب الذي كان يلجأ إليه الشياطين في جاهلية العرب! يقولون : إنهم يحترمون الدين! ويزعمون أن ما يشرعونه للناس له أصل من هذا الدين! .. إنه أسلوب ألأم وأخبث من أسلوب الشيوعيين الملحدين! إنه يخدر العاطفة الدينية الغامضة التي لا تزال تعيش في قرارات النفوس ـ وإن لم تكن هي الإسلام ، فالإسلام منهج واضح عملي واقع وليس هذه العاطفة المبهمة الغامضة ـ ويفرغ الطاقة الفطرية الدينية في قوالب جاهلية لا إسلامية. وهذا أخبث الكيد وألأم الأساليب! ثم يجيء «المتحمسون» لهذا الدين ؛ فيفرغون جهدهم في استنكار جزئيات هزيلة على هامش الحقيقة الإسلامية ، لا تروق لهم في هذه الأوضاع الجاهلية المشركة ، المغتصبة لألوهية الله وسلطانه بالجملة. وبهذه الغيرة الغبية يسبغون على هذه الأوضاع الجاهلية المشركة طابع الإسلام. ويشهدون لها شهادة ضمنية خطيرة بأنها تقوم على أصل من الدين حقا ، ولكنها تخالف عنه في هذه الجزئيات الهزيلة!
ويؤدي هؤلاء المتحمسون دورهم لتثبيت هذه الأوضاع وتطهيرها. وهو نفس الدور الذي تؤديه الأجهزة الدينية المحترفة ، التي تلبس مسوح الدين! وإن كان الإسلام بالذات لا يعرف المسوح ولا ينطق باسمه كاهن ولا سادن! (وَقالُوا : هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ، لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ ـ بِزَعْمِهِمْ ـ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا ـ افْتِراءً عَلَيْهِ ـ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ) ..
قال ابو جعفر بن جرير الطبري : «وهذا خبر من الله ـ تعالى ذكره ـ عن هؤلاء الجهلة من المشركين. إنهم كانوا يحرمون ويحللون من قبل أنفسهم ، من غير أن يكون الله أذن لهم بشيء من ذلك».
والحجر : الحرام .. فهؤلاء المعتدون على سلطان الله ، الذين يدعون ـ مع ذلك ـ أن ما يشرعونه هو شريعة الله ، قد عمدوا إلى بعض الزروع وبعض الأنعام ، فعزلوها لآلهتهم ـ كما تقدم ـ وقالوا : هذه الأنعام وهذه الثمار محرمة عليهم لا يطعمونها. لا يطعمها إلا من شاء الله! ـ بزعمهم! ـ والذي يقرر ما يقرر في هذا الشأن هم بطبيعة الحال الكهنة والسدنة والرؤساء! وعمدوا إلى أنعام قيل : إنها هي الأنواع المسماة في آية المائدة : (ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ) (١) فجعلوا ظهورها حراما على الركوب. كما عمدوا إلى أنعام فقالوا : هذه لا يذكر اسم الله عليها عند ركوبها ولا عند حلبها ، ولا عند ذبحها .. إنما تذكر أسماء الآلهة وتخلص لها! كل ذلك (افْتِراءً عَلَى اللهِ)!
قال أبو جعفر بن جرير : «وأما قوله (افْتِراءً عَلَى اللهِ) (٢) فإنه يقول : فعل هؤلاء المشركون ما فعلوا من تحريمهم ما حرموا ، وقالوا ما قالوا من ذلك ، كذبا على الله ، وتخرصا بالباطل عليه ، لأنهم أضافوا ما كانوا يحرمون من ذلك ، على ما وصفه عنهم جل ثناؤه في كتابه ، إلى أن الله هو الذي حرمه ، فنفى الله ذلك عن نفسه ، وأكذبهم. وأخبر نبيه والمؤمنين أنهم كذبة فيما يدعون».
وهنا كذلك تبدو لنا أساليب الجاهلية ، التي تتكرر في معظم الجاهليات ، وذلك قبل أن يبلغ التبجح بناس من البشر أن يقولوا بمادية الوجود! وقبل أن يبلغ التبجح ببعض من لا ينكرون الله البتة ، أن يجهروا بأن «الدين» مجرد «عقيدة» وليس نظاما اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا ، يهيمن على الحياة!
وإن كان ينبغي أن ندرك دائما أن أسلوب الجاهلية التي تقيم نظاما أرضيا ، الحاكمية فيه للبشر لا لله ، ثم
__________________
(١) سبق بيان أوصافها في الجزء السابع ص ٩٨٩ ـ ٩٩٠
(٢) «افتراء على الله» وردت في آية سابقة. فأما في هذه الآية فالذي ورد (افتراء عليه).
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
