بما همّ به المشركون من إخراج الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من مكة قبل الهجرة. وتذكرهم بأن المشركين هم الذين بدأوهم بالاعتداء في المدينة .. ثم تثير فيهم الحياء والنخوة أن يكونوا إنما يخشون لقاء المشركين. والله أولى أن يخشوه إن كانوا مؤمنين .. ثم تشجعهم على قتال المشركين لعل الله أن يعذبهم بأيديهم ، فيكونوا هم ستارا لقدرة الله في تعذيب أعدائه وأعدائهم ، وخزيانهم وقهرهم. وشفاء صدور المؤمنين الذين أوذوا في الله منهم .. ثم تواجه التعلات التي تحيك في صدور البعض من الأمل في دخول المشركين الباقين في الإسلام دون حرب ولا قتال. تواجه هذه التعلات بأن الرجاء الحقيقي في أن يفيء هؤلاء إلى الإسلام أولى أن يتعلق بانتصار المسلمين ، وهزيمة المشركين. فيومئذ قد يفيء بعضهم ـ ممن يقسم الله له التوبة ـ إلى الإسلام المنتصر الظاهر الظافر! .. وفي النهاية تلفتهم الآيات إلى أن سنة الله هي ابتلاء الجماعات بمثل هذه التكاليف ليظهر حقيقة ما هم عليه. وأن السنة لا تتبدل ولا تحيد ..
* * *
(أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ ، وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ ، وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ؟ أَتَخْشَوْنَهُمْ؟ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ..
إن تاريخ المشركين مع المسلمين كله نكث للإيمان ، ونقض للعهود. وأقرب ما كان من هذا نقضهم لعهدهم مع رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في الحديبية. ولقد قبل ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من شروطهم ـ بإلهام من ربه وهداية ـ ما حسبه بعض أفاضل أصحابه قبولا للدنية! ووفى لهم بعهده أدق ما يكون الوفاء وأسماه. ولكنهم هم لم يفوا ، وخاسوا بالعهد بعد عامين اثنين ، عند أول فرصة سنحت .. كما أن المشركين هم الذين هموا بإخراج الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من قبل في مكة ؛ وبيتوا أمرهم في النهاية على قتله قبل الهجرة. وكان هذا في بيت الله الحرام الذي يأمن فيه القاتل منهم على دمه وماله ؛ حتى لكان الواحد يلقى قاتل أخيه أو أبيه في الحرم فلا يمسه بسوء. أما محمد رسول الله ، الداعي إلى الهدى والإيمان وعبادة الله وحده ، فلم يرعوا معه هذه الخصلة ؛ وهموا بإخراجه ؛ ثم تآمروا على حياته ؛ وبيتوا قتله في بيت الله الحرام ، بلا تحرج ولا تذمم مما يتحرجون منه ويتذممون مع أصحاب الثارات! .. كذلك كانوا هم الذين هموا بقتال المسلمين وحربهم في المدينة. فهم الذين أصروا ـ بقيادة أبي جهل ـ على ملاقاة المسلمين بعد أن نجت القافلة التي خرجوا لها ؛ ثم قاتلوهم بادئين في أحد وفي الخندق. ثم جمعوا لهم في حنين كذلك .. وكلها وقائع حاضرة أو ذكريات قريبة ؛ وكلها تنم عن الإصرار الذي يصفه قول الله تعالى : (وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا) كما تنم عن طبيعة العلاقة بين المعسكر الذي يعبد آلهة من دون الله تجاه المعسكر الذي لا يعبد إلا الله ..
وحين يستعرض السياق هذا الشريط الطويل من الذكريات والمواقف والأحداث ، في هذه اللمسات السريعة العميقة الإيقاع في قلوب المسلمين ، يخاطبهم :
(أَتَخْشَوْنَهُمْ؟) ..
فإنهم لا يقعدون عن قتال المشركين هؤلاء إلا أن تكون هي الخشية والخوف والتهيب!
ويعقب على السؤال بما هو أشد استجاشة للقلوب من السؤال :
(فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ..
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
