فإما دخول فيما دخل فيه المسلمون ، وتوبة عما مضى من الشرك والاعتداء. وعندئذ يصفح الإسلام والمسلمون عن كل ما لقوا من هؤلاء المشركين المعتدين ؛ وتقوم الوشيجة على أساس العقيدة ؛ ويصبح المسلمون الجدد إخوانا للمسلمين القدامى ؛ ويسقط ذلك الماضي كله بمساءاته من الواقع ومن القلوب!
(وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) ..
فهذه الأحكام إنما يدركها ويدرك حكمتها الذين يعلمون وهم المؤمنون.
وإما نكث لما يبايعون عليه من الإيمان بعد الدخول فيه ، وطعن في دين المسلمين. فهم إذن أئمة في الكفر ، لا أيمان لهم ولا عهود. وعندئذ يكون القتال لهم ؛ لعلهم حينئذ أن يثوبوا إلى الهدى .. كما سبق أن قلنا : إن قوة المعسكر المسلم وغلبته في الجهاد قد ترد قلوبا كثيرة إلى الصواب ؛ وتريهم الحق الغالب فيعرفونه ؛ ويعلمون أنه إنما غلب لأنه الحق ؛ ولأن وراءه قوة الله ؛ وأن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ صادق فيما أبلغهم من أن الله غالب هو ورسله. فيقودهم هذا كله إلى التوبة والهدى. لا كرها وقهرا ، ولكن اقتناعا بالقلب بعد رؤية واضحة للحق الغالب. كما وقع وكما يقع في كثير من الأحايين.
* * *
وبعد .. فما المدى الذي تعمل فيه هذه النصوص؟ ما المدى التاريخي والبيئي؟ أهي خاصة بأهل الجزيرة العربية في ذلك الزمان المحدد؟ أم إن لها أبعادا أخرى في الزمان والمكان؟
إن هذه النصوص كانت تواجه الواقع في الجزيرة العربية بين المعسكر الإسلامي ومعسكرات المشركين. وما من شك أن الأحكام الواردة بها مقصود بها هذا الواقع. وأن المشركين المعنيين فيها هم مشركو الجزيرة ..
هذا حق في ذاته .. ولكن ترى هذا هو المدى النهائي لهذه النصوص؟
إن علينا أن نتتبع موقف المشركين ـ على مدى التاريخ ـ من المؤمنين. ليتكشف لنا المدى الحقيقي لهذه النصوص القرآنية ؛ ولنرى الموقف بكامله على مدار التاريخ :
فأما في الجزيرة العربية فلعل ذلك معلوم من أحداث السيرة المشهورة. ولعل في هذا الجزء من الظلال وحده ما يكفي لتصوير مواقف المشركين من هذا الدين وأهله منذ الأيام الأولى للدعوة في مكة حتى هذه الفترة التي تواجهها نصوص هذه السورة.
وحقيقة إن المعركة الطويلة الأمد لم تكن بين الإسلام والشرك بقدر ما كانت بين الإسلام وأهل الكتاب من اليهود والنصارى. ولكن هذا لا ينفي أن موقف المشركين من المسلمين كان دائما هو الذي تصوره آيات هذا المقطع من السورة :
(كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً! يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ ، وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ. اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ، إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) ..
لقد كان هذا هو الموقف الدائم للمشركين وأهل الكتاب من المسلمين. فأما أهل الكتاب فندع الحديث عنهم إلى موعده في المقطع الثاني من السورة ؛ وأما المشركون فقد كان هذا دأبهم من المسلمين على مدار التاريخ ..
وإذا نحن اعتبرنا أن الإسلام لم يبدأ برسالة محمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إنما ختم بهذه الرسالة. وأن
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
