والذين يتحدثون عن الجهاد في الإسلام فيصمونه بأنه كان لإكراه الأفراد على الاعتقاد! والذين يهولهم هذا الاتهام ممن يقفون بالدين موقف الدفاع ؛ فيروحون يدفعون هذه التهمة بأن الإسلام لا يقاتل إلا دفاعا عن أهله في حدوده الإقليمية! هؤلاء وهؤلاء في حاجة إلى أن يتطلعوا إلى تلك القمة العالية التي يمثلها هذا التوجيه الكريم :
(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) ..
إن هذا الدين إعلام لمن لا يعلمون ، وإجارة لمن يستجيرون ، حتى من أعدائه الذين شهروا عليه السيف وحاربوه وعاندوه .. ولكنه إنما يجاهد بالسيف ليحطم القوى المادية التي تحول بين الأفراد وسماع كلام الله ؛ وتحول بينهم وبين العلم بما أنزل الله ؛ فتحول بينهم وبين الهدى ، كما تحول بينهم وبين التحرر من عبادة العبيد ؛ وتلجئهم إلى عبادة غير الله .. ومتى حطم هذه القوى ، وأزال هذه العقبات ، فالأفراد ـ على عقيدتهم ـ آمنون في كنفه ؛ يعلمهم ولا يرهبهم ويجيرهم ولا يقتلهم ؛ ثم يحرسهم ويكفلهم حتى يبلغوا مأمنهم .. هذا كله وهم يرفضون منهج الله!
وفي الأرض اليوم أنظمة ومناهج وأوضاع من صنع العبيد ؛ لا يأمن فيها من يخالفها من البشر على نفسه ولا على ماله ولا على عرضه ولا على حرمة واحدة من حرمات الإنسان! ثم يقف ناس يرون هذا في واقع البشر وهم يتمتمون ويجمجمون لدفع الاتهام الكاذب عن منهج الله بتشويه هذا المنهج وإحالته إلى محاولة هازلة قوامها الكلام في وجه السيف والمدفع في هذا الزمان وفي كل زمان!
* * *
(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ، إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ؟ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ، يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ ، وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ. اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ، إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ. فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ ، وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ ، وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ، فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).
لما انتهى في مجموعة الآيات السابقة إلى تقرير الأحكام النهائية الأخيرة بين المجتمع المسلم والباقين من المشركين في الجزيرة ، وهي تعني إنهاء حالة التعاهد والمهادنة معهم جميعا .. بعضهم بعد مهلة أربعة أشهر ، وبعضهم بعد انتهاء مدتهم .. حيث يؤول الأمر بعد هذه الأحكام إلى حالتين اثنتين : توبة وإقامة للصلاة وإيتاء للزكاة ـ أي دخول في الإسلام وأداء لفرائضه ـ أو قتال وحصار وأسر وإرصاد ..
لما انتهى إلى الأمر بإنهاء حالة التعاقد على ذلك الوجه أخذ في هذه المجموعة الجديدة من الآيات يقرر ـ عن طريق الاستفهام الاستنكاري ـ أنه لا ينبغي ولا يجوز وليس من المستساغ أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله. وهو استنكار للمبدأ في ذاته ؛ واستبعاد له من أساسه! بقوله تعالى : (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ).
ولما كان هذا الاستنكار في هذه المجموعة التالية في السياق للمجموعة الأولى ، قد يفهم منه نسخ ما كان قد تقرر في المجموعة الأولى من إمهال ذوي العهود الموفين بعهودهم الذين لم ينقصوا المسلمين شيئا ولم يظاهروا
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
