ولم يظاهروا عليهم أحدا ـ ولئن كانوا يستسيغون نبذ عهود الناكثين والذين تخاف منهم الخيانة ، كما سبق في الحكم المرحلي الذي تضمنته سورة الأنفال : (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) .. (الأنفال : ٥٨) فإن إنهاء عهود غيرهم بعد أربعة أشهر أو بعد الأجل المقدر ، ربما بدا لهم مخالفا لما عهدوه وألفوه من معاهدة المعاهدين وموادعة الموادعين وترك المهادنين .. ولكن الله ـ سبحانه ـ كان يريد أمرا أكبر من المألوف ؛ وخطوة وراء ما انتهت إليه الأمور!
وكان في المجتمع المسلم كذلك ـ ولعل بعض هؤلاء من كرام المسلمين وخيارهم كذلك ـ من يرى أنه لم تعد هناك ضرورة لقتال المشركين عامة ، ومتابعتهم حتى يفيئوا إلى الإسلام ؛ بعد ما ظهر الإسلام في الجزيرة وغلب ؛ ولم تبق إلا جيوب متناثرة هنا وهناك لا خوف منها على الإسلام اليوم. ومن المتوقع أن تفيء رويدا رويدا ـ في ظل السلم ـ إلى الإسلام .. ولا يخلو هذا الفريق من التحرج من قتال الأقرباء والأصدقاء ومن تربطهم بهم علاقات اجتماعية واقتصادية متنوعة ، متى كان هناك أمل في دخولهم في الإسلام بغير هذا الإجراء العنيف .. ولكن الله سبحانه كان يريد أن تقوم آصرة التجمع على العقيدة وحدها ، وأن تخلص الجزيرة للإسلام ، وأن تصبح كلها قاعدة أمينة له ؛ وهو يعلم أن الروم يبيتون للإسلام على مشارف الشام كما سيجيء!
وكان في المجتمع المسلم ـ ولعل بعض هؤلاء كان من كرام المسلمين وخيارهم أيضا! ـ من يخشى الكساد الذي يتوقعه من تعطل الصلات التجارية والاقتصادية في أنحاء الجزيرة بسبب إعلان القتال العام على المشركين كافة فيها ؛ وتأثير ذلك في موسم الحج ، وبخاصة بعد إعلان ألا يحج بعد العام مشرك ، وألا يعمر المشركون مساجد الله. وبخاصة حين يضيف إلى هذا الاعتبار عدم ضرورة هذه الخطوة ؛ وإمكان الوصول إليها بالطرق السلمية البطيئة! .. ولكن الله سبحانه كان يريد أن تقوم آصرة التجمع على العقيدة وحدها ـ كما تقدم ـ وأن تكون العقيدة أرجح في ميزان القلوب المؤمنة من كل ما عداها. سواء من القرابات والصداقات ؛ أم من المنافع والمصالح. كما أنه ـ سبحانه ـ كان يريد أن يعلمهم أنه هو الرزاق وحده ، وأن هذه الأسباب الظاهرة للرزق ليست هي الأسباب الوحيدة التي يملك أن يسخرها لهم بقدرته.
وكان في المجتمع المسلم من ضعاف القلوب والمترددين والمؤلفة قلوبهم والمنافقين ، وغيرهم كذلك ممن دخلوا في دين الله أفواجا ولم ينطبعوا بعد بالطابع الإسلامي من يفرق من قتال المشركين كافة ؛ ومن الكساد الذي ينشأ من تعطيل المواسم ، وقلة الأمن في التجارة والتنقل وانقطاع الأواصر والصلات ؛ وتكاليف الجهاد العام في النفوس والأموال. ولا يجد في نفسه دافعا لاحتمال هذا كله ، وهو إنما دخل في الإسلام الغالب الظاهر المستقر ؛ فهي صفقة رابحة بلا عناء كبير .. أما هذا الذي يرادون عليه فما لهم وما له وهم حديثوا عهد بالإسلام وتكاليفه؟! .. وكان الله ـ سبحانه ـ يريد أن يمحص الصفوف والقلوب ، وهو يقول للمسلمين (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ، وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ).
هذه الأعراض المتشابكة في المجتمع المسلم المختلط ـ بعد الفتح ـ اقتضت ذلك البيان الطويل المفصل المتعدد الأساليب والإيحاءات في هذا المقطع ، لمعالجة هذه الرواسب في النفوس ، وهذه الخلخلة في الصفوف ، وتلك الشبهات حتى في قلوب بعض المسلمين المخلصين ..
اقتضت أن تفتتح السورة بهذا الإعلان العام ببراءة الله ورسوله من المشركين ، وأن يتكرر إعلان البراءة
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
