وواضح كذلك أن المؤلف لا يلقي باله إلى طبيعة المنهج الحركي في الإسلام ، ومواجهته للواقع بوسائل مكافئة. فهو يحيل الأحكام النهائية الأخيرة على النصوص المرحلية قبلها. دون التفات إلى أن النصوص السابقة كانت تواجه حالات واقعة غير الحالة التي جاءت النصوص الأخيرة تواجهها .. وحقيقة إن هذه الأحكام ليست (منسوخة) بمعنى أنه لا يجوز الأخذ بها مهما تكن الأحوال ـ بعد نزول الأحكام الأخيرة ـ فهي باقية لمواجهة الحالات التي تكون من نوع الحالات التي واجهتها. ولكنها لا تقيد المسلمين إذا واجهتهم حالات كالتي واجهتها النصوص الأخيرة ، وكانوا قادرين على تنفيذها ..
.. إن الأمر في حاجة إلى سعة ومرونة وإدراك لطبيعة هذا الدين وطبيعة منهجه الحركي كما أسلفنا ..
* * *
وبعد ، فإننا نعود إلى العبارة التي افتتحنا بها الفقرة السابقة :
«والذي يراجع أحداث السيرة النبوية ووقائعها ، ليرى من خلالها الواقع التاريخي للمنهج الحركي الإسلامي ، ويراجع كذلك طبيعة هذا المنهج في ذاته ومراحله وأهدافه .. يرى بوضوح أن هذه الخطوة الحاسمة في العلاقات بين المعسكر الإسلامي في الجزيرة وسائر معسكرات المشركين ـ وكذلك بينه وبين معسكرات أهل الكتاب التي تقررت في هذه السورة ـ كان قد جاء موعدها ، وتمهدت لها الأرض ، وتهيأت لها الأحوال ، وأصبحت هي الخطوة الطبيعية في أوانها المحتوم».
كانت التجربة تلو التجربة قد كشفت عن القانون الحتمي الذي يحكم العلاقات بين المجتمع المسلم الذي يفرد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والحاكمية والتشريع ؛ والمجتمعات الجاهلية التي تجعل هذا كله لغير الله ، أو تجعل فيه شركاء لله .. هذا القانون الحتمي هو قانون الصراع الذي يعبر عنه قول الله سبحانه : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً) .. (الحج : ٤٠) والذي يقول عنه سبحانه كذلك : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) .. (البقرة : ٢٥١)
وقد ظهرت آثار هذا القانون الحتمي في ظاهرتين بارزتين :
إحداهما : انطلاق الإسلام خطوة بعد خطوة ، وغزوة بعد غزوة ، ومرحلة بعد مرحلة ؛ لنشر منهج الله في الأرض حوله ؛ وإبلاغ كلمة الله إلى أرض بعد أرض وإلى قبيلة بعد قبيلة ـ في طريقه إلى إبلاغها إلى الناس كافة وإزالة الحواجز المادية التي تحول دون هذا الإعلان العام والبلوغ إلى كل بني الإنسان ـ حتى فتحت مكة ، وخضدت شوكة قريش العقبة الكبرى في طريق الزحف الإسلامي ، واستسلمت هوازن وثقيف في الطائف أقوى القبائل بعد قريش في طريق هذا الزحف. وأصبحت للإسلام قوته التي ترهب عدوه ؛ وتسمح بالقيام بالخطوة النهائية الحاسمة في الجزيرة ـ تمهيدا لما وراءها من أرض الله حسبما تتهيأ الظروف الملائمة لكل خطوة تالية ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.
وثانيتهما : نقض العهود التي كانت المعسكرات الجاهلية تعقدها مع المسلمين ـ في ظروف مختلفة ـ عهدا بعد عهد ؛ بمجرد أن تتاح لها فرصة نقضها ، وعند أول بادرة تشير إلى أن المعسكر الإسلامي في ضائقة تهدد وجوده ؛ أو على الأقل تجعل هذا النقض مأمون العاقبة على ناقضيه من المشركين ـ ومن أهل الكتاب من قبلهم ـ فما كانت هذه العهود ـ إلا نادرا ـ عن رغبة حقيقية في مسالمة الإسلام ومهادنة المسلمين ؛ إنما كانت عن اضطرار
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
