التعارض بين منهجين للحياة لا التقاء بينهما في كبيرة ولا صغيرة ؛ وحرص أصحاب المناهج الأرضية على سحق المنهج الرباني الذي يتهدد وجودهم ومناهجهم وأوضاعهم قبل أن يسحقهم! .. فهي حتمية لا اختيار فيها ـ في الحقيقة ـ لهؤلاء ولا هؤلاء!
وكانت هذه الحتمية تفعل فعلها على مدى الزمن ، وعلى مدى التجارب ؛ وتتجلى في صور شتى ، تؤكد وتعمق ضرورة الخطوة النهائية الأخيرة التي أعلنت في هذه السورة ؛ ولم تكن الأسباب القريبة المباشرة التي تذكرها بعض الروايات إلا حلقات في سلسلة طويلة ممتدة على مدى السيرة النبوية الشريفة ، وعلى مدى الحركة الإسلامية منذ أيامها الأولى ..
وبهذه السعة في النظرة إلى الجذور الأصيلة للموقف ، وإلى تحركاته المستمرة ، يمكن فهم هذه الخطوة الأخيرة. وذلك مع عدم إغفال الأسباب القريبة المباشرة ، لأنها بدورها لا تعدو أن تكون حلقات في تلك السلسلة الطويلة.
وقد ذكر الإمام البغوي في تفسيره أن المفسرين قالوا : إنه لما خرج رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إلى تبوك أرجف المنافقون ، وأخذ المشركون ينقضون عهودهم ؛ فأنزل الله الآيات بالنسبة لهؤلاء ، مع إمهالهم أربعة أشهر إن كانت مدة عهدهم أقل ، أو قصرها على أربعة أشهر إن كانت أكثر.
وذكر الإمام الطبري ـ بعد استعراضه الأقوال في تفسير مطلع السورة ـ : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : لأجل الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين ، وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله : (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته. فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه ، فإن الله جل ثناؤه أمر نبيه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله : (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).
ومما رواه الطبري كذلك ـ بإسناده ـ عن مجاهد قوله : (بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) قال : أهل العهد : مدلج والعرب الذين عاهدهم ، ومن كان له عهد. قال : أقبل رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من تبوك حين فرغ منها ، وأراد الحج. ثم قال : «إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة ، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك». فأرسل أبا بكر وعليا رحمة الله عليهما ، فطافا بالناس بذي المجاز ، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها ، وبالموسم كله ، وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر. فهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات : عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر. ثم لا عهد لهم. وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا (١). فآمن الناس أجمعون حينئذ ، ولم يسح أحد».
وهذه الأسباب القريبة المباشرة لا شك كان لها وزنها في اتخاذ الخطوة الأخيرة الحاسمة. ولكنها بدورها ليست إلا حلقات في السلسلة الطويلة ؛ الناشئة ابتداء من الحتمية الجذرية الكبيرة : وهي تعارض المنهجين أصلا ، وعدم إمكان التعايش بينهما إلا فترات اضطرارية تنتهي حتما ..
__________________
(١) واضح من النص القرآني أنه أمهل ذوي العهود غير الناقضين إلى مدتهم. ولعل مجاهدا ـ رضي الله عنه ـ إنما عنى ذلك إجمالا ..
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
