أو يخاطب العرب أجمعين ، أو يخاطب العالمين .. إنما يخاطبهم بقاعدة واحدة ؛ ويطلب منهم الانتهاء إلى هدف واحد .. هو إخلاص العبودية لله ، والخروج من العبودية للعباد .. لا مساومة في هذه القاعدة ولا لين .. ثم يمضي إلى تحقيق هذا الهدف الواحد ، في خطة مرسومة ، ذات مراحل محددة ، لكل مرحلة وسائلها المتجددة .. على نحو ما أسلفنا في الفقرة السابقة.
«والسمة الرابعة : هي ذلك الضبط التشريعي للعلاقات بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات الأخرى ـ على النحو الملحوظ في ذلك التلخيص الجيد الذي نقلناه عن زاد المعاد ـ وقيام ذلك الضبط على أساس أن الإسلام لله هو الأصل العالمي الذي على البشرية كلها أن تفيء إليه ؛ أو أن تسالمه بجملتها فلا تقف لدعوته بأي حائل من نظام سياسي ، أو قوة مادية. وأن تخلي بينه وبين كل فرد ، يختاره أو لا يختاره بمطلق إرادته. ولكن لا يقاومه ولا يحاربه. فإن فعل ذلك أحد ، كان على الإسلام أن يقاتله حتى يقتله ، أو يعلن استسلامه! (١)».
* * *
في ضوء هذا البيان نستطيع أن نفهم لم كانت هذه الأحكام الأخيرة الواردة في هذه السورة : من براءة الله ورسوله من عهود المشركين ؛ وإمهال ذوي العهود الموقوتة منهم ـ ممن لم ينقضوا مع المسلمين عهدا ، ولم يظاهروا عليهم أحدا ـ إلى مدتهم. وإمهال ذوي العهود غير الموقوتة ـ ممن لم ينقضوا مع المسلمين عهدا كذلك ولم يظاهروا عليهم أحدا ـ إلى أربعة أشهر ؛ ومثلهم من لم يكن لهم مع المسلمين عهد أصلا من المشركين. ونبذ عهود الناقضين لعهودهم ، مع إمهالهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض آمنين. فإذا انسلخت هذه الأشهر أخذوا وقتلوا حيث وجدوا وحوصروا ومنعوا من التنقل وهم آمنون .. كما نفهم الأحكام الواردة فيها عن قتال أهل الكتاب المنحرفين عن دين الله الصحيح ، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .. ثم الأحكام الواردة بجهاد المنافقين مع الكافرين بالغلظة عليهم. وعدم الصلاة على موتاهم أو القيام على قبورهم .. وكلها أحكام تعدّل الأحكام المرحلية السابقة في السور التي نزلت قبل التوبة. وهذا التعديل نحسب أنه أصبح مفهوما لنا الآن ، في ضوء ذلك البيان!
وليس هنا مجال تفصيل القول في هذه الأحكام الأخيرة ، ولا في الأحكام المرحلية السابقة لها ؛ ولا في غيرها من موضوعات السورة الأخرى. فسنعرض لهذا كله بالتفصيل ـ إن شاء الله ـ عند استعراض النصوص القرآنية في سياق السورة بالتفصيل.
ولكننا فقط نبادر فنقول : إن تلك الأحكام المرحلية ليست منسوخة بحيث لا يجوز العمل بها في أي ظرف من ظروف الأمة المسلمة بعد نزول الأحكام الأخيرة في سورة التوبة. ذلك أن الحركة والواقع الذي تواجهه في شتى الظروف والأمكنة والأزمنة هي التي تحدد ـ عن طريق الاجتهاد المطلق ـ أي الأحكام هو أنسب للأخذ به في ظرف من الظروف ، في زمان من الأزمنة. في مكان من الأمكنة! مع عدم نسيان الأحكام الأخيرة التي يجب أن يصار إليها ، متى أصبحت الأمة المسلمة في الحال التي تمكنها من تنفيذ هذه الأحكام ؛ كما كان حالها عند نزول سورة التوبة ، وما بعد ذلك أيام الفتوحات الإسلامية التي قامت على أساس من هذه الأحكام الأخيرة النهائية. سواء في معاملة المشركين أو أهل الكتاب.
__________________
(١) يراجع بقية ما جاء في مقدمة سورة الأنفال عن الجهاد في الإسلام ص ١٤٣١ ـ ١٤٥٢ من الجزء التاسع.
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
