ونهى عن القرب من الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ونهى عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. ونهى عن مس مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده. وأمر بإيفاء الكيل والميزان بالقسط. وأمر بالعدل في القول ـ في الشهادة والحكم ـ ولو كان ذا قربى. وأمر بالوفاء بعهد الله كله. وجعل هذا جميعه وصية من الله كررها عقب كل جملة من الأوامر والنواهي.
هذا الحشد كله الذي يتضمن قاعدة العقيدة ومبادئ الشريعة ؛ اللتين تتجمعان هذا التجمع في السياق ، وتمتزجان هذا الامتزاج ؛ وتعرضان جملة واحدة ، وكتلة واحدة ، بصورة لا تخفى دلالتها على من يطالع هذا القرآن على النهج الذي بيناه .. هذا الحشد كله يقال عنه في نهاية الشوط الطويل :
(وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ..
وذلك لإبراز تلك الدلالة المستفادة من السياق كله ؛ وصوغها في تقرير واحد واضح حاسم :
إن هذا الدين شريعته كعقيدته في تقرير صفة الشرك أو صفة الإسلام. بل إن شريعته من عقيدته في هذه الدلالة .. بل إن شريعته هي عقيدته .. إذ هي الترجمة الواقعية لها .. كما تتجلى هذه الحقيقة الأساسية من خلال النصوص القرآنية ، وعرضها في المنهج القرآني ..
وهذه هي الحقيقة التي زحزح مفهوم «الدين» في نفوس أهل هذا الدين عنها زحزحة مطردة خلال قرون طويلة ، بشتى الأساليب الجهنمية الخبيثة .. حتى انتهى الأمر بأكثر المتحمسين لهذا الدين ـ ودعك من أعدائه والمستهترين الذين لا يحفلونه ـ أن تصبح قضية الحاكمية في نفوسهم قضية منفصلة عن قضية العقيدة! لا تجيش لها نفوسهم كما تجيش للعقيدة! ولا يعدون المروق منها مروقا من الدين ، كالذي يمرق من عقيدة أو عبادة! وهذا الدين لا يعرف الفصل بين العقيدة والعبادة والشريعة. إنما هي الزحزحة التي زاولتها أجهزة مدربة ، قرونا طويلة ، حتى انتهت مسألة الحاكمية إلى هذه الصورة الباهتة ؛ حتى في حس أشد المتحمسين لهذا الدين! وهي هي القضية التي تحتشد لها سورة مكية ـ موضوعها ليس هو النظام وليس هو الشريعة ، إنما موضوعها هو العقيدة ـ وتحشد لها كل هذه المؤثرات ، وكل هذه التقريرات ؛ بينما هي تتصدى لجزئية تطبيقية من تقاليد الحياة الاجتماعية. ذلك أنها تتعلق بالأصل الكبير .. أصل الحاكمية .. وذلك أن هذا الأصل الكبير يتعلق بقاعدة هذا الدين وبوجوده الحقيقي ..
إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك ، ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك. ويتحرجون من هذه ولا يتحرجون من تلك .. إن هؤلاء لا يقرأون القرآن. ولا يعرفون طبيعة هذا الدين .. فليقرأوا القرآن كما أنزله الله ؛ وليأخذوا قول الله بجد : (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) ..
وإن بعض هؤلاء المتحمسين لهذا الدين ليشغلون بالهم وبال الناس ببيان إن كان هذا القانون ، أو هذا الإجراء ، أو هذا القول ، منطبقا على شريعة الله أو غير منطبق .. وتأخذهم الغيرة على بعض المخالفات هنا وهناك .. كأن الإسلام كله قائم ، فلا ينقص وجوده وقيامه وكماله إلا أن تمتنع هذه المخالفات!
هؤلاء المتحمسون الغيورون على هذا الدين ، يؤذون هذا الدين من حيث لا يشعرون. بل يطعنونه الطعنة النجلاء بمثل هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة .. إنهم يفرغون الطاقة العقيدية الباقية في نفوس الناس في هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة .. إنهم يؤدون شهادة ضمنية لهذه الأوضاع الجاهلية. شهادة بأن هذا الدين قائم فيها ، لا ينقصه ليكمل إلا أن تصحح هذه المخالفات. بينما الدين كله متوقف عن «الوجود» أصلا ، ما دام
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
